الاقتصاد العالمي والحرب التجارية

|


لا تبدو الأمور جيدة أمام الاقتصاد العالمي، فلم تترك لهذا الاقتصاد مساحة كبيرة للاحتفال بانتهاء آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم في عام 2008. فالأزمات تأتي الواحدة تلو الأخرى، وفي مقدمتها الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واضطراب يشهده التمويل في عدد من البلدان الناشئة، وعدم وضوح الرؤية حيال كثير من الأزمات السياسية المتصاعدة هنا وهناك. أي أن الاقتصاد العالمي يواجه فعلا تحديات كبيرة، بينما لا توجد أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه قفزات نوعية في هذه المواجهة، فصندوق النقد الدولي يقول "الاقتصاد العالمي أمام منعطف دقيق"، والبنك الدولي يتحدث بالوتيرة نفسها، ومؤسسات أخرى ذات قيمة عالمية كبرى، تتناول هذا الموضوع بالصيغة نفسها.
ليست هناك أي إشارة إلى إمكانية اتفاق تجاري بين واشنطن وبكين، فالإجراءات الانتقامية المتبادلة ضربت كثيرا من الآليات الخاصة بصنع التفاهمات، وفي مقدمة هذه الإجراءات الرسوم الجمركية التي رفعتها الولايات المتحدة على الواردات الصينية لتصل إلى 200 مليار دولار، وشملت معظم الواردات بما فيها الحديد والصلب. في حين أن الصين لم تقف مكتوفة الأيدي، وفرضت هي الأخرى رسوما إضافية على وارداتها الأمريكية لتصل إلى 60 مليار دولار. المفاوضات التجارية التي يجب أن تحقق ما ينتظره العالم من اتفاق لم تصل إلى شيء، بل على العكس تماما ارتفعت إلى حد التهديدات المتبادلة بين الطرفين، وزادت من المخاوف العالمية على الاقتصاد العالمي الهش.
هذا الاقتصاد مهدد بالتراجع في العام الجاري، والأمر كذلك في العام المقبل، فالرسوم الجمركية الجديدة بين واشنطن وبكين تهدد بتقليص حجم اقتصاد العالم بنسبة 0.5 في المائة هذا العام، و"صندوق النقد" يتوقع إمكانية تبخر 455 مليار دولار من هذا الاقتصاد، أي ما يزيد حتى على حجم اقتصاد دولة مثل جنوب إفريقيا! ولأن الأمر كذلك، طالبت كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد حكومات دول مجموعة العشرين بضرورة الإبقاء على معدلات الفائدة منخفضة لدعم اقتصاداتها، حتى الاقتصاد الأمريكي مهدد بالتقلص في نهاية العام الجاري، وفق ما أعلنه "جولدمان ساكس". من هنا، يمكن النظر إلى الحرب التجارية التي كانت حتى وقت قريب في مستوى "المعارك" على أنها التهديد الأكبر للاقتصاد العالمي بعد الأزمة الاقتصادية العالمية المعروفة.
هناك حاجة ماسة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى إنهاء هذه الحرب بالطرق الدبلوماسية التي تستند إلى الحلول الوسط، فالمشكلة لن تنتهي حتى بانتهاء هذه الحرب، بل ستستمر حتى يتمكن العالم من تسريع عملية تحديث النظام التجاري الدولي. وهذه النقطة على وجه الخصوص تمثل محورا رئيسا بالنسبة لجميع المؤسسات الاقتصادية العالمية المعنية. والحقيقة لا يوجد رابح في هذه الحرب التجارية، حيث أثبتت الأشهر الماضية أن الطرفين الرئيسين تضررا بصورة واضحة من إجراءاتهما الانتقامية ضد بعضهما بعضا. والنمو الذي يتأثر سلبا في ظل الصراعات التجارية، ضرب النمو الصيني نفسه الذي سيصل إلى 6 في المائة، كما ضرب النمو الأمريكي، لا مجال هنا إلا لنجاح مفاوضات بين أكبر اقتصادين في العالم، فالساحة الدولية تنتظر اتفاقا بينهما من أجلهما ومن أجل العالم أجمع.

إنشرها