العيدية.. هذا ما تبقى

|


كبر مبلغ العيدية أو صغر، نجده يملك أهمية خاصة عند الطفل الذي يجمعه ويصنع منه ذكريات جميلة، ولكن العيدية مثلها مثل أي نقود أخرى، تختفي بسرعة. تظل العيديات من أفضل الفرص التي تعزز مفاهيم التملك والترتيب والحفظ عند الأطفال الصغار الذين يملكون ويجمعون النقود لأول مرة في حياتهم. وبالنسبة لمن يكبرهم في العمر، فهي تأكيد للسلوك الاستهلاكي الذي يعيشه الطفل مع أسرته، سواء كان استهلاكا مبالغا فيه يصرف على الاستثمار الترفيهي "مثل لعبة تخدمه لعدة سنوات" أو يستخدم لتحقيق فائدة المرة الواحدة، بصرف ما جمعه على الحلويات والترفيه سريع الانتهاء في الفعاليات وما إلى ذلك.
سوء إدارة العيدية أو ضعف الاستفادة منها لا يعني أن الطفل لا يستحق هذه المبالغ، أو أن هذا مبرر لأخذها منه! نحن نعترف بأن التربية المالية للأطفال تحد كبير، وذلك لأن الإدارة المالية عند الكبار لا تزال في مرحلة مبكرة جدا. لا يمكن لوم الأطفال على سلوك لم ننجح نحن في تفاديه أو جعلهم يحترزون منه. لهذا، تتجلى هنا أهمية استخدام أسلوب الجرعات السريعة المؤثرة التي تعجل من عملية تحسين السلوك، لنا أولا ولأطفالنا بعد ذلك. يجب ألا نسمح للطفل بوصول سن المراهقة وتجاوزها وهو لم يستوعب الأفكار الأساسية التي تساعده على إدارة حياته ماليا بشكل جيد وبناء سلوكيات الإدارة المالية القويمة، مثل: جودة الاستهداف، وأهمية التخطيط، والتنويع والتوزيع والتوقيت، والتعرف على الذات "ماليا" واختيار استراتيجية عامة للمخاطر. العيدية، أو ما تبقى منها، من أفضل الفرص لهذا الدرس الإلحاقي المهم.
بضعة اجتماعات صريحة في أجواء ممتازة كفيلة بصنع التأثير الذي نبحث عنه. المهم، أن يحدث الاجتماع الأول قبل انتهاء صرف العيدية تماما، أي خلال شهر شوال أو الأيام الأولى منه. نقر فيه لهم بضرورة الاستمتاع بهذه النقود ونثبت ملكيتهم لها وسيطرتهم عليها. أسوأ ما يمكن أن يقوم به الوالدان تجاهل وجود العيدية ويتركون للطفل الحرية المطلقة في تضييعها أو استخدامها، أو أن يسيطرون عليها بالكامل بدون أي اعتبار لحقوقه في التعلم والتجربة والتملك. وبعد الإقرار بذلك، نأتي لتجاوز العقبة الأولى، وهي كيف يستطيع أن يربط الطفل بين رغباته وبين حجم العيدية الموجود. في الغالب سيرغب في الحصول على شيء موجود لدى أقرانه ولن تكفيه العيدية. وهنا تأتي مهارة الوالدين في تنبيهه لاحتياجاته وليس رغباته، وفي دفعه نحو التفكير بما يريد ويستمتع به باعتبار عدم وجود المقارنات في الصورة. اكتشاف أي احتياج جديد والمقارنة بينه وبين السلعة التي كان ينوي شراءها خطوة كبيرة وتطوير جيد لنطاق التفكير الاستهلاكي والمالي.
الخطوة التالية أن نلفت انتباهه إلى العامل الزمني واستفادته من تأخير أو تحسين تزامن الادخار مع الاستهلاك. هناك من الآباء من نجح فعليا في تعويد أبنائه على جمع العيدية مع المصروف وترتيب مدخراته وإعادة توزيع مصروفاته الشخصية. ولكن الأغلبية من الآباء لا يقومون بهذا التصرف التربوي الممتاز. لذا، من الجيد البدء به ولو بشكل مصغر، وأقترح استخدام الحافز الادخاري قصير الأجل. لو ادخر مثلا 100 ريال لمدة شهر، يأخذ عشرة ريالات دعما من والديه عن كل أسبوع يمر. والشهر الثاني تصبح 20 ريالا في الأسبوع، والثالث 30 ريالا، تصمم مثل هذه البرامج لتعليمه أن الادخار فكرة حسنة وكي يجرب السيطرة على رغباته.
الخطوة الثالثة، أن يتم تقسيم العيدية إلى أبواب، ترفيه واستثمار وتعليم وإحسان، حتى لو كان ذلك على حساب الوالدين، ويعد كإضافة على العيدية. الاستثمار يكون بالمشاركة في ادخار رمزي ينمي المفهوم لديه. والتعليم يكون في نشاط مرتبط بالتعلم، مثل شراء لعبة تعليمية، أو الاشتراك في موقع على النت، وفي نظري زيارة المكتبة وشراء الكتب والقصص المصورة "حتى لو لم تقرأ بشكل جدي" من أنسب هذه الأنشطة. أما الإحسان فهو مربط البركة والإنفاق الخيري والمشاركة المجتمعية، وهذا أصل في حسن الإدارة المالية. تقسيم العيدية على أبواب يجعله يتبنى من عمر مبكر بعض القيم المهمة: التنويع والابتعاد عن الأنانية والتفكير في القيمة والاستثمار في المستقبل.
الخطوة الأخيرة، وهي الأصعب في نظري، هي متابعة أمور العيدية بعد شوال. الأسئلة الإرشادية أثناء اجتماعات الأسرة، مثل: كم بقي منها، ماذا ادخرت؟ كم كتابا قرأت من نقود العيدية؟ وكم تصدقت؟ وهل الألعاب التي اشتريتها أو استخدمتها موجودة وباقية أم اختفت؟ وهل يمكن إعادة استخدامها أو إعطاؤها لمن يحتاج إليها؟ مثل هذه الأسئلة كفيلة بتحريك كثير من الأمور في مخيلة الطفل النشطة، التي ستجعله يقوم باكتشاف وتأسيس نفسه ماليا في وقت مبكر؛ سيكون أفضل من ذلك الذي يفكر في نفسه فقط، ويضيع العيدية كاملة في أقصر وقت، وينتهي به الأمر أن يخادعه والداه للحصول على "الفلوس" التي لم يحسن استخدامها!

إنشرها