FINANCIAL TIMES

ألماني متشدد يتطلع إلى خلافة ماريو دراجي

في طريقه إلى العمل كل يوم في البنك المركزي الألماني، يصعد ينس فايدمان إلى الطابق الـ 13 متوجها إلى مكتبه في مقر البنك في فرانكفورت، من غير المؤكد أنه سيصعد إلى رئاسة البنك المركزي الأوروبي.
بدعم من ألمانيا، لكن وسط مقاومة بعض الحكومات الأخرى في منطقة اليورو، التي تضم 19 بلدا، يعد ترشيح فايدمان من بين أكثر العناصر إثارة للجدل في المناورات السياسية حول تخصيص الوظائف العليا في الاتحاد الأوروبي. الأمور التي على المحك هي الآن في أعلى مستوياتها، إذا كانت هناك أزمة مالية أو اقتصادية خطيرة تهدد بقاء منطقة اليورو، كما حدث قبل عقد من الزمان تقريبا، فقد يتعين على رئيس البنك المركزي الأوروبي المقبل أن يقرر ما إذا كان سيدعم تدابير أكثر تشددا مما اتخذها ماريو دراجي، الرئيس المنتهية ولايته، في ذروة الاضطرابات.
يثير فايدمان المخاوف لأنه، في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي المؤلف من 25 عضوا، كان غالبا صقرا وحيدا يعارض المبادرات غير التقليدية، التي وضعها دراجي لإنقاذ اليورو. البنك المركزي الأوروبي، المصبوب على قالب البنك المركزي الألماني الحذر، والمقيد بالقواعد، بدأ في التصرف على نحو أشبه بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي غير المحاط بعوامل عائقة بالقدر نفسه. لكن فايدمان فخور ببقائه وفيا لعقيدة البنك المركزي الألماني.
فايدمان (51 عاما) معروف لدى موظفي البنك المركزي باعتباره مديرا عصريا ذا سلوك شاب. وهو يتيح للأشخاص استخدام أسلوب المخاطبة غير الرسمي عند التحدث إليه (الذي يستخدم كلمة "أنت" بدلا من كلمة "أنتم"). ولد في مدينة سولينجن الغربية بالقرب من نهر الراين، وهو يشعر بالارتياح عند المشي مع كلبه وصنع الآيس كريم بنكهة الشاي الأخضر. ذات مرة دعاه دراجي لمحادثة ودية حول كوب من القهوة. يتذكر فايدمان "أنا متأكد من أن أحدا لم يتوقع مني أن أغير رأيي بسبب كوب من القهوة وكيس من الرقائق".
مع ذلك، نسخة فايدمان لعام 2019 ليست بالضرورة هي نسخة فايدمان لعام 2011، عندما أصبح رئيسا للبنك المركزي الألماني. في السنوات الأخيرة، خاصة منذ بدأ التسخين في الحملة الألمانية لتعيينه خليفة لدراجي، كان يبدو أقل تصلبا إلى حد ما عند مناقشة السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي.
في منتصف أيار (مايو) أخبر جمهورا في هامبورج أن سياسات البنك المركزي الأوروبي غير التقليدية ساهمت في نمو اقتصادي أقوى وتراجع أسرع في البطالة مما كان يمكن أن يحدث لولا ذلك. أشار كذلك إلى أن انتقاد الفائض التجاري الكبير والمتكرر لألمانيا- الذي تعده حكومات أخرى اختلالا كبيرا في منطقة اليورو– أمر معقول.
قد تشير مثل هذه التعليقات إلى أنه في حال توليه المنصب بعد دراجي، فإنه سينحني أمام بعض العوامل الواقعية. أحدها هو أن الغالبية العظمى من أعضاء مجلس البنك المركزي الأوروبي يرفضون الرأي الذي يتم التعبير عنه بانتظام في ألمانيا، وهو أن مبادرات عصر دراجي ضلت الطريق واشتطت إلى ما وراء نطاق التفويض القانوني للبنك. عامل آخر هو أن الأسواق المالية قد تشعر بالتوتر إذا أدت رئاسة فايدمان إلى إيجاد تصور مفاده أن رئيس البنك المركزي الأوروبي على خلاف مع بقية أعضاء المجلس بشأن إدارة الأزمات.
يقول ديفيد مارش، رئيس مركز أومفيف Omfif لأبحاث السياسة النقدية: "ربما يخيب آمال كثير من الألمان العاديين الذين يتوقعون من رئيس البنك المركزي الألماني تسريع التطبيع في السياسة النقدية من خلال الابتعاد عن أسعار الفائدة السلبية وتقليص ميزانية البنك المركزي الأوروبي المتضخمة".
نقاد فايدمان في فرنسا وإيطاليا وأماكن أخرى غير مقتنعين. فهم يتذكرون أنه اتخذ موقفا لا هوادة فيه في أوائل سنوات دراجي، حيث رفع لافتة ألمانية كانت تعتز بـ"الليبرالية الاجتماعية". في هذا المنظور العالمي، فإن استقلال البنوك المركزية عن الضغوط السياسية مقدس. دورها الأساسي هو الحفاظ على استقرار الأسعار في اقتصاد سوق يدافع عنه نظام قانوني قوي. خدمت هذه المبادئ ألمانيا جيدا في النصف الثاني من القرن العشرين، ما جعل البنك المركزي الألماني من أكثر المؤسسات الألمانية ثقة. فايدمان، بصفته اقتصاديا ألمانيا، تشرب هذه المبادئ تماما حين كان طالبا في جامعة بون.
لكن النظام الليبرالي الاجتماعي بدا غير كاف لترويض أزمة منطقة اليورو، التي أظهرت أن استقرار الأسعار في العالم لا يمكن أن يمنع انهيار البنوك وحالة طوارئ الديون السيادية، التي هددت بإغراق الاتحاد النقدي الأوروبي الذي أنشئ في عام 1999. المفارقة أن ألمانيا، التي كانت لعقود تتباهى بأنها صاحبة أكبر سجل مثير للإعجاب في أوروبا من حيث الإدارة الاقتصادية، كانت تساعد على إساءة التصرف في إدارة الأزمة بسبب تعريفها المتصلب إلى حد الإفراط لدور البنك المركزي. هذه على الأقل هي الطريقة، التي كان معارضو فايدمان يرون بها الأمور. لكن فولفجانج شويبله، وزير المالية الألماني في الفترة من 2009 إلى 2017، اشتكى من أن سياسات دراجي غذت صعود حزب البديل لألمانيا، وهو أول حزب شعبوي يميني يحصل على مقاعد في البرلمان الألماني في تاريخ الجمهورية الاتحادية.
من وجهة نظر مؤيديه الألمان، فإن فايدمان، الذي نادرا ما يشاهد دون أن يكون مرتديا بدلته الإيطالية المميزة ذات العلامة التجارية باللون الأزرق الداكن، مؤهل بدرجة عالية لرئاسة البنك المركزي الأوروبي. أوتمار إيسينج، الذي عمل في السابق كبير الاقتصاديين للبنك، يقول إن الجهود، التي تبذل لتصويره بصورة المتشدد، الذي يمكن أن يهدد وجود اليورو هي "محاولة مكشوفة لإنشاء فزاعة".
لكن هل هناك أمور أخرى غير ظاهرة تتعلق بالحملة الألمانية المؤيدة لفايدمان؟ بالتأكيد تريد الحكومة أن تعيد التأكيد على أن الجنسية الألمانية لا يمكن، ولا يجب لها، أن تحول دون ترشيح شخص لرئاسة البنك المركزي الأوروبي. لكن لا يمكن استبعاد أن المنصب، الذي تريد المستشارة أنجيلا ميركل فعلا تأمينه لألمانيا، في الوقت الذي يتم فيه تقاسم المناصب العليا، ليس رئاسة البنك المركزي الأوروبي وإنما رئاسة المفوضية الأوروبية. في هذه الحالة، فإن فايدمان، الذي تم تعيينه حديثا لولاية ثانية مدتها ثماني سنوات رئيسا للبنك المركزي الألماني، لا تزال أمامه سنوات ليواصل الصعود اليومي إلى الطابق الـ 13.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES