أسواق الأسهم- العالمية

البنوك المركزية العالمية تراهن على خفض الفائدة لمواجهة اضطراب النمو

مرة أخرى يجدد البنك الدولي تحذيراته بشأن مسار الاقتصاد العالمي، فتوقعات النمو تتراجع، ولن تتجاوز هذا العام حدود 2.6 في المائة مع تحسن طفيف العام المقبل لتصل إلى 2.7 في المائة، وتباطؤ الاقتصاد الدولي يتسع نطاقه، ليشمل ويؤثر في عديد من البلدان، باختصار الاقتصاد الدولي يضعف، وحالة عدم اليقين تتصاعد، وقادة ورجال الأعمال في وضع متوتر.
وفي ظل تلك الأوضاع لا يكون أمام الحكومات غالبا غير الاعتماد على القوى النارية المتاحة لبنوكها المركزية مهما كانت ضعيفة، وبالطبع تأتي أسعار الفائدة في مقدمة الآليات التي تستخدمها البنوك المركزية لمواجهة تلك الأوضاع المضطربة.
وافتتح البنك المركزي الاسترالي ما يعده البعض اتجاها مقبلا للبنوك المركزية بخفض أسعار الفائدة لديها، إذ خفضت أسعار الفائدة في استراليا لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ومن شبه المؤكد أن تقوم الهند بذات التحرك، بينما البنك المركزي الأوروبي لا يسير بعيدا أيضا عن هذا الاتجاه، إذ يساعد للحصول على قروض جديدة طويلة الأجل للبنوك. وهذا المسار الدولي يسعى بطبيعة الحال إلى دعم النمو ورفع معدلات التضخم الضعيفة حاليا.
ورغم أن بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة رفعت أسعار الفائدة بينما لجأت أخرى إلى الخفض، فإن خفض أسعار الفائدة فاق ارتفاعها في الشهر الماضي، وهو ما ينبئ باتجاه عالمي خلال المرحلة المقبلة. 
ومع أهمية الخطوة التي اتخذها البنك المركزي الأسترالي، والقرارات المتوقع أن يتخذها البنك المركزي الهندي والمصرف الأوروبي، إلا أن الأنظار تتركز حاليا عل كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الصيني، التي تشير معظم المؤشرات إلى أنهما يسيران في اتجاه خفض أسعار الفائدة أيضا. 
ويقول لـ "الاقتصادية"، الدكتور كليف كونر الاستشاري السابق في اللجنة المالية لبنك انجلترا، إن "تصريحات جيروم باول رئيس مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي، بأنه سيتصرف حسب مقتضيات الحفاظ على التوسع، تمنحنا مؤشرا قويا للغاية إلى أنه يتجه لخفض أسعار الفائدة، خاصة أن ذلك الاتجاه يتفق أيضا مع رؤية الرئيس ترمب ورغبته في إضعاف الدولار، لجعله أكثر جاذبية في مجال التبادل التجاري، وهذا الاتجاه سيتضح خلال اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المسؤولة عن وضع السياسة النقدية الأمريكية، والمقرر انعقادها في النصف الثاني من الشهر الجاري لتحديد أسعار الفائدة". 
ويضيف كونر أن الأمر ذاته بالنسبة للصين، إذ يتوقع أن يخفض بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) أسعار الفائدة مرتين خلال الأشهر المتبقية من هذا العام، ومرة واحدة على الأقل العام المقبل.
وقد تبدو تلك الأنباء جيدة بالنسبة للأسواق، إذ ستمكن المستثمرين من الاقتراض لتوسيع نشاطهم الاقتصادي، إلا أن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن الأسواق حتى الآن لم تتفاعل مع تلك التوقعات بقوة، ربما في انتظار خطوات عملية من قبل الفيدرالي الأمريكي وبنك الشعب الصيني.
وتوضح لـ "الاقتصادية"، ألين رواي الخبيرة الاستثمارية، أنه" إذا ما لجأ الفيدرالي الأمريكي والمركزي الصيني لخفض أسعار الفائدة، فإن ذلك يكشف إلى حد كبير حجم الأضرار التي أصابت اقتصاد البلدين نتيجة الحرب التجارية المستعرة بينهما، والهدف الأساسي من تلك الخطوة جذب مزيد من الاستثمارات المباشرة لاقتصاد البلدين، لكن هذا قد يوسع نطاق الصراع بينهما أيضا، وربما ينقل الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة إذا أعلنت واشنطن أن بكين تتلاعب في قيمة اليوان لتعزيز صادراتها الدولية، إلا أنه بالنسبة للصين فإن خفض أسعار الفائدة سيساعد بلاشك على ضخ استثمارات حكومية جديدة في مجال البنية التحتية، ودعم المستهلكين، وربما يترافق ذلك مع إجراءات ضريبية جديدة لتعزيز الاقتصاد المحلي، وتلك المجموعة من الإجراءات ربما تحد نسبيا من الضغوط التي تواجهها الصين نتيجة الحرب التجارية الأمريكية، لكن لن تمنع جميع النتائج السلبية لتلك الحرب، أما بالنسبة للجانب الأمريكي، فإن خفض أسعار الفائدة سيمكن الشركات الأمريكية من التوسع الداخلي، ومن ثم رفع معدلات التوظيف، وهذا يصب في مصلحة الرؤية الاقتصادية الكلية للرئيس ترمب". 
ويعتقد خبراء اقتصاديون من أنصار المدرسة الليبرالية، بأن المشكلة لا تكمن في خفض أسعار الفائدة، وإنما في تأخر القرار كثيرا، وكان من الواجب اتخاذه منذ بعض الوقت لتفادي المصاعب الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد الدولي الآن.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، الدكتور أندرسون سميث أستاذ الاقتصاد الكلي بجامعة لندن، أنه لا بد من الإسراع بخفض أسعار الفائدة على المستوى العالمي لتفادي هزة اقتصادية على غرار ما حدث عام 2008، وفي الواقع فإن توجهات الرئيس الأمريكي المدافعة عن أسعار فائدة منخفضة، أمر إيجابي للغاية للاقتصاد الدولي من عدد من الزوايا، أولا الاقتصاد العالمي لم يشف بعد تماما من تداعيات أزمة عام 2008، وقادة الأعمال بحاجة ماسة إلى دعم اقتصادي عبر أسعار فائدة منخفضة لتعزيز التوسع الاستثماري، وثانيا خفض أسعار الفائدة الأمريكية سيتيح للاقتصادات الناشئة الاقتراض بأسعار رخيصة من الولايات المتحدة، ومن ثم توسيع قدراتهم التصديرية عبر زيادة الاستثمارات المحلية، وهذا سيوجد رافعة اقتصادية أخرى للاقتصاد الدولي تحول دون انخفاض معدلات النمو كما هو حادث الآن".
ومع هذا، فإن خفض الفائدة المرتقب في الصين والولايات المتحدة، سيفتح جولة جديدة من النقاش، تتجاوز نطاق البحث في جدوى تلك الخطوة من عدمها. 
فالاستراتيجية الدولية الراهنة لمواجهة ما يتخوف البعض منه، وهو تحول الاقتصاد الدولي من حالة الضعف إلى الركود، يجعل من المنطقي التساؤل: هل يقف الاقتصاد العالمي عاجزا عن إيجاد آلية أخرى تمكنه من الخروج من وضعه الراهن، غير السياسات المالية التي تقودها البنوك المركزية؟ بمعنى آخر: هل سيظل الاقتصاد العالمي رهينا للسياسات المالية فقط لمعالجة جوانب الخلل الموجودة فيه حاليا؟
ويقول لـ "الاقتصادية"، البروفيسور إم. كارت العضو السابق في لجنة السياسات المالية في عهد رئيس الوزراء العمالي جوردن براون، إن "خفض ورفع أسعار الفائدة، وهي إحدى آليات السياسة المالية، تكون مجدية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية في الأجل القصير، وإلى حد ما في الأجل المتوسط، ولكن في الأجل الطويل ولتفادي تكرار الأزمات المالية على فترات متقاربة، فلن تجدي السياسة المالية نفعا، ولا بد من وضع حلول أكثر نجاعة وديمومة، ولن يتم ذلك إلا عبر مزيد من العدالة في توزيع الثروة على المستوى الوطني والعالمي، وهذا يتطلب إجراءات جذرية في الاقتصاد الدولي، عبر حوارات ونقاشات صريحة ومكثفة في المنظمات الدولية مثل مجموعة العشرين، خاصة أن بعض الدول القيادية في الاقتصادات الناشئة مثل السعودية وجنوب إفريقيا والبرازيل تشارك في تلك المجموعة، جنبا إلى جنب مع الاقتصادات الأكثر تطورا مثل الصين والولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا".
ويضيف كارت أن خفض أسعار الفائدة أمر ضروري في المرحلة الراهنة، ولكن الأكثر أهمية هو مزيد من التعاون الدولي للخروج من وضعية الضعف الاقتصادي الراهن.
وفي سياق متصل بأسعار الفائدة قال روبرت كابلان رئيس بنك الاحتياط الاتحادي الأمريكي في دالاس بأنه يريد رؤية دليل على تباطؤ النمو الاقتصادي قبل تقرير ما إذا كان من الضروري خفض معدل الفائدة ردا على تصاعد الخلاف بين أمريكا وشركائها التجاريين.
وقال كابلان في حوار مع تلفزيون بلومبيرج أمس: "من المبكر إصدار حكم بهذا الشأن".
وأضاف" سنلتزم بالحذر الشديد خلال دراستنا لهذه التوترات التجارية المتصاعدة، لنرصد تأثيرها في الاقتصاد وما إذا كانت ستستمر".
يشار إلى أن كابلان ليس من ضمن المصوتين هذا العام في لجنة تحديد سعر الفائدة، التي تلتقي يومي 18 و19 حزيران (يونيو) الجاري في واشنطن.
وكان مسؤولو بنك الاحتياط الاتحادي قد أشاروا إلى أنهم مستعدون لخفض معدلات الفائدة إذا أثرت التوترات التجارية مع المكسيك أو الصين في التوقعات الاقتصادية الأمريكية بصورة سلبية. وكان رئيس مجلس بنك الاحتياط الاتحادي جيروم باول قد قال أمس الأول إنه يراقب من كثب تداعيات التطورات التجارية، وسيتخذ الإجراء المناسب للحفاظ على التوسع الاقتصادي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أسواق الأسهم- العالمية