"الشمال الحقيقي" وقمم مكة المكرمة

|

"الشمال الحقيقي" تعبير يستخدم على نطاق واسع، باعتبار أن ما تظهره لنا البوصلة ليس الشمال الحقيقي، كما أن العبارة تستخدم كناية عن التوجه الصحيح حقيقة وليس ظاهريا، وهذا هو المعنى المقصود هنا.
في مملكتنا، اكتشف لنا "الشمال الحقيقي" الملك المؤسس، وكان قائدا منجزا، أسس بلدا متراميا مستقلا يتمتع بأفضل صلات مع بلدان الدنيا ولاسيما الأكثر تأثيرا وقوة. وبعد توحيده للبلاد وإعلانه المملكة، لم يضع لحظة فعكف على شحذ وتيرة التنمية والنمو، بدفع المبادرة إثر المبادرة، والمشروع في ركاب المشروع، وعينه على النتائج، فقد كان رجلا عمليا، كما يصف هو نفسه. وامتدادا لحقبة التأسيس، فــ "الشمال الحقيقي" لمملكتنا، هو تقوية هذا الكيان الغالي، دونما كلل أو ملل؛ تحقيقا للأهداف الطموحة التي يستحقها وطن له مكانة متفردة، وموقع متفرد، وإمكانات اقتصادية مطلقة ونسبية وتنافسية لا يجاريه فيها وطن.
ويمكن الجدل، أن تحدي السير في اتجاه "الشمال الحقيقي" كان شاخصا أمامنا في هذه البلاد طوال الوقت، وإن تنوعت الأدوات، فمثلا وضعت أول خطة خمسية في عام 1970، وتهدف لتنويع الاقتصاد والاستفادة من موارده البشرية. لكن وبعد مضي نصف قرن لن تجد سعوديا يجادل في أهمية أي من الهدفين، بل إن الاقتناع بهما ازداد مع مرور الوقت.
مواردنا كانت دائما هناك قابعة، كبناتنا المتعلمات القادرات الراغبات في الإسهام في نهضة وبناء مملكتنا الغالية، أما توظيف تلك الموارد فقد كان في أضيق الحدود مصحوبا بهدر، وفي حين أننا كنا وما زلنا نستقدم النسوة من كل حدب وصوب للعمل هنا، نرى فتياتنا قابعات يبحثن عن عمل، فقد تضطر القادرة إلى طلب عون مادي من الضمان أو جمعية خيرية! والأمر لا يختلف كثيرا مع الفتيان. ومثال آخر، فلطالما كان لحكومتنا تعاقدات مدنية وعسكرية بعشرات المليارات كل عام ولسنوات ممتدة سنة تلحقها سنة، لسلع وخدمات تشترى من موردين خارجيين دون مردود يذكر على الاقتصاد المحلي بما في ذلك منشآتنا الصغيرة والمتوسطة، أما الآن فلن يمضي أي عقد نحو التنفيذ إلا بمحتوى محلي، يعطي لأبناء الوطن وبناته فرصة للعمل وللتعلم واكتساب الخبرة من جهة، ولمنشآته لتنفيذ جزء من احتياجات المشروع وتحقيق فرص للكسب والتوسع جراء ذلك.
وتبين قمم "مكة المكرمة"، التي نعايشها هذه الأيام، بوضوح نهج "رؤية المملكة 2030" وبرامجها للسير بنا نحو "الشمال الحقيقي"، ليس بمجرد تدبيج الخطط، بل بالسعي حثيثا لتوظيف مكامن القوة والتأثير وعدم إضاعة الوقت، وصيانة وتحصين المملكة ومصالحها وبيان قوتها وتأثرها إقليميا وعربيا وإسلاميا.

إنشرها