الاقتصاد الرأسمالي الغربي .. مؤشرات للتغيير

|


يحذر الاقتصاديون الدوليون من الأزمات المالية التي يتعرض لها الاقتصاد الغربي في هذه الأيام، وحينما نقول الاقتصاد الغربي يعني أننا نتحدث عن الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأوروبي خاصة، أو أننا نتحدث عما يعرف حديثا بمنطقة الدولار ومنطقة اليورو. وفي هذه الأيام فإن هاتين المنطقتين الاقتصاديتين يعانيان الترهل ويهددان مجمل الاقتصاد العالمي.
وإذا كان الاقتصاد الأمريكي يمثل حاليا ما يقرب من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأنه بدأ يتناقص بحلول عام 2016 إلى نحو 17.7 في المائة من الإجمالي العالمي، فإن الاقتصاد الأمريكي سيتعرض إلى خفض جديد في الجدارة الائتمانية بسبب الضرائب التي فرضها أخيرا بشراسة على الاقتصادين الصيني والأوروبي، وإذا تعرض الاقتصاد الأمريكي لهذا الخفض فإنه سيضع الاقتصاد العالمي في مأزق.
وفي منطقة اليورو فإن جوهر المشكلة تكمن في ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنات العامة في معظم دول الاتحاد الأوروبي، خاصة اليونان التي تجاوز فيها الدين العام كل المعدلات العالية، وفي هذا مخالفة صريحة للاتفاقيات الموقعة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، ولذلك كانت ألمانيا في البداية لا تشجع فكرة قيام دول الاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياتها ودعم اليونان وحمايتها من الإفلاس، بل قالت ميركل إن السياسيين اليونانيين أخطأوا والمطلوب منهم أن يتحملوا هم بالدرجة الأولى مسؤولية تصحيح أخطائهم، ولكن ميركل ما لبثت أن تراجعت حينما عرفت أن المصيبة لا تخص اليونان فقط، بل ستعم وتشمل كل الاقتصاد الأوروبي بدءا بانخفاض ملحوظ في سعر صرف اليورو، ثم يتبع ذلك تدهور للعملة الأوروبية، وبالتالي تدهور الاقتصاد الأوروبي بصورة شاملة.
وفعلا حدث هذا وما زال الاتحاد الأوروبي يعاني مجموعة من الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها بعض الدول الأعضاء مثل إيطاليا وإسبانيا ثم فرنسا، التي ما زالت تعيش أزمة العصيان الشعبي التي اجتاحتها قبل شهرين وما زالت بقاياها حتى الآن.
ونذكر أن الاقتصاد الإيطالي بدأ يتعثر منذ عام 2015؛ ما تسبب في إسقاط الحكومة الإيطالية، وأدخل إيطاليا في أزمة اقتصادية خانقة؛ ولمواجهة الأزمة عين البرلمان الإيطالي رئيسا جديدا للوزراء تتولى وزاراته مسؤولية القيام بتنفيذ روشتة علاج الاقتصاد الإيطالي من الأمراض التي يعانيها. ويومذاك قال الاقتصاديون إن الأزمة الاقتصادية التي تجتاح إيطاليا ليست خطرا على إيطاليا فحسب؛ وإنما خطر يهدد مجمل المشروع الاقتصادي الأوروبي؛ ولا سيما أن الأخبار الواردة من إسبانيا والبرتغال وفرنسا في ذلك الوقت كانت مقلقة جدا؛ بل إن الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء عن الاقتصاد الفرنسي حاليا تشي بشيء كبير من التوجس؛ وأخيرا تناقلت وكالات الأخبار أخبارا عن الاقتصاد الألماني الذي بدأت آثار الأمراض المنتشرة في أوصال اقتصادات اليورو تطوله وتحذره بما لا يحمد عقباه.
إن ما يحدث في منطقتي الدولار واليورو يمكن أن يكون بمنزلة مرحلة جديدة من الأزمة المالية العالمية التي ستنعكس نتائجها سلبا على مجمل أداء الاقتصاد العالمي.
ويجب أن نلاحظ أن الدخول في جولة أخرى من عمليات إنقاذ البنوك، هو أمر غير مقبول من الناحية الاقتصادية، ولا حتى من الناحية السياسية، خصوصا في دول الاتحاد الأوروبي التي تمر ــ كما أشرنا ــ بظروف عصيبة أقلها أن خزائن البنوك مليئة بالسندات الحكومية الراكدة.
إذن نحن نتحدث عن أزمة مالية عالمية بدأت مخالبها ترسل إشاراتها المحمومة إلى كل أرجاء الاقتصاد الدولي؛ ما يلزمنا الاستماع باهتمام إلى التقارير الرسمية التي تصدر من المنظمات المالية الدولية.
وسط هذه الأخبار المحبطة بعض علماء الاقتصاد يتحدثون عن الترهل الذي يعانيه النظام الرأسمالي الغربي، ويقولون إن العالم في حاجة إلى نظام اقتصادي جديد.
الأخطر من ذلك أنه لا يوجد في الأفق نظام اقتصادي يستطيع أن يمسك زمام المبادرة ويقود سفينة الاقتصاد الدولي، ولا توجد مؤشرات تقول إن الصين مثلا لديها نظام اقتصادي صيني مختلف عن النظام الرأسمالي الغربي، بل إن الاستثمارات الصينية واليابانية والاستثمارات الخليجية الآن من ضحايا النظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي المترنح.
إننا إذا استعرضنا الأزمات العالمية، فإننا نجد أن الغرب هو الذي تسبب في كل الأزمات، وأن الغرب هو الذي ألحق أضرارا بالغة بالمال العالمي والبيئة العالمية، وآخر الأزمات أزمة الفساد المالي الذي ضرب كثيرا من كبريات البنوك والمصارف في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وبهذه المناسبة فإنني أؤكد أن الاقتصاد الدولي لن يتحمل أزمة كتلك التي صفعته في عام 2008، لأنه استنفد كل أسلحته كما قال الاقتصادي العالمي نورييل روبيني الذي سبق أن بشر بأزمة الرهن العقاري، ولم يعد لدى الغرب أسلحة يواجه بها أزمة جديدة، خاصة حينما تكون الأزمة أكثر حدة وضراوة، وهنا يكمن السؤال المهم: من سيدفع الثمن في هذه المرة؟ وما حجم الثمن الذي ستدفعه الدول الناشئة التي بدأت تضيق ذرعا بأسقام الاقتصاد الرأسمالي الغربي الذي بات يئن وينثر أمراضه في كل أنحاء الاقتصاد العالمي؟!

إنشرها