FINANCIAL TIMES

بالعبقرية.. تصاميم "كوبريك" تتجاوز حيل الأفلام

هناك قصص رائعة حول تصاميم إنتاج أفلام ستانلي كوبريك.

واحدة منها حول شعور رونالد ريغان بخيبة الأمل من غرفة الحرب في البيت الأبيض، في أول أيامه كرئيس للولايات المتحدة: كان يتوقع شيئا مثل قصة "البنتاجون" التي شوهدت في فيلم "دكتور سترينج لوف".
أو ذلك الفيلم الذي كان من المفترض أن يتم استدعاء كوبريك من قبل "ناسا" فيه، لتزوير مشهد الهبوط على سطح القمر، لعدم صلاحية المشهد الحقيقي.
وهناك قصة فيلم "ذا شاينينج" كونه اعتذارا عن تزييف مشهد الهبوط على سطح القمر، التي تضج بإشارات إلى فيلم "أبولو 11" أي قصة أول سفينة فضاء تطأ القمر.
القصة الأخرى حول فيلم "آيز وايد شت" لكونه فيلم يفضح "إلوميناتي" السرية التي قتلت المخرج، بعد أيام من تسليمه الفيلم إلى الاستوديو في عام 1999.
بالطبع، قد تكون هذه القصص في الغالب مجرد ترهات، فهي مزيج من نظرية الخدعة والمؤامرة التي تشجعها شخصية كوبريك الحادة، والخجولة أمام العلن والمهووسة بالكمال.
على أن كل واحدة منها تحوي شرارة أمر ما يجعلك ترغب في مشاهدة الأفلام مرة أخرى - وتلقي نظرة فاحصة على تلك الإشارات والتلميحات.
لأن لا شيء، بالفعل، يمكن أن يرد في أفلام كوبريك عن طريق الصدفة.
بعد 20 عاما من وفاة المخرج ، يستضيف متحف التصميم في لندن، معرضا يتيح للناس إلقاء نظرة على العوالم التي تصورها كوبريك، بعضها في الماضي، وبعضها الآخر في المستقبل، وهناك عوالم أخر، بواقعية كاملة للغاية.
هذا ليس عرضا جديدا، لكن وضعها في متحف للتصميم، بدلا من معرض فنون أو معرض يركز على صناعة الأفلام، يغير زاوية نظرتنا إليها ويتيح لنا أن نرى كيف عمل كوبريك المعماري، وكيف كان مهووسا بالتصميم، بدءا من المناظر الطبيعية إلى الرسومات، والمنتجات والتكنولوجيا.
لقد كان الافتتاح مذهلا، فهو عبارة عن مجموعة من الشاشات بمستويات مختلفة خلف بعضها بعضا، كأنها غرف مثبتة على المسرح، تعرض بعض أشهر المشاهد التي صورها كوبريك، وجميعها استخدم فيها منظوره المميز حيال النقطة الأحادية. وهناك غرفة تعرض مشهد داني الصغير وهو يتجول بدراجته الثلاثية في ممر الفندق في فيلم "ذا شاينينج"، والمزج بين أسلوبي الروكوكو والديسكو في الغرفة الأخيرة (التي من المفترض إنشاؤها بذكاء أعلى) في الفيلم الذي صدر عام 2001، فيلم "أوديسة الفضاء"، ورحلة عربة عبر الخنادق الفرنسية في فيلم "دروب المجد".
إنها رائعة تدفعنا إلى عالم يدعو إلى الجنون، ويبدوغريبا بشكل يثير القلق، إلا أنه مألوف بدرجة كبيرة.
انتقل كوبريك من لوحات القرن الثامن عشر مثلما فعل من تقديرات وكالة ناسا للتكنولوجيا المستقبلية، وكذلك من تصاميم فن البوب والتصاميم الوحشية بالقدر نفسه لتصاميم المنازل الكبرى والشقق، والاعتماد عليها لإنشاء مجموعات أفلام ومواقع تصوير رائعة ومقنعة من خلال التفاصيل الإلزامية.
خذ "فندق أوفرلوك" من فيلم "ذا شاينينج". هناك بطاقة بريدية على حائطه يظهر فيها إلهامه، وهو فندق تيمبرلاين لودج في ولاية أوريجون.
على الرغم من استخدامه في عدد قليل فقط من اللقطات، تم إعادة تصميمه من الداخل وبناؤه أيضا في أحد استوديوهات إلستري، ولكن بإضافة المراوغات المكانية التي لا تحدث فرقا كبيرا (مكتب المدير، على سبيل المثال، في قلب المبنى بإطلالة على الغابات).
هل هذا التضليل مدروس ومتعمد؟ هل هو شيء من الجنون لمطابقة المتاهة في الخارج؟
يجسد أسلوب البناء الحالة النفسية للشخصيات. في فندق "أوفر لوك"، كانت المساحات الخالية من البشر والممرات التي لا نهاية لها.
في ثكنات الجنود من فيلم "فل ميتال جاكيت"، كان هناك الخلاء البارد المتكرر بصورة وحشية.
في فيلم "دكتور ستراينج لوف"، كانت غرفة الحرب المظلمة التي تقع على الزاوية، تمثل هيكل جنون العظمة في الحرب الباردة.
قضى كوبريك قدرا مبالغا فيه من الوقت في البحث عن المواقع. بالنسبة لفيلم "باري ليندون"، لم يستقر أبدا في منزل واحد، والفيلم الأخير هو مونتاج يضم 15 منزلا مختلفا من المنازل الفخمة في إيرلاندا وبريطانيا.
الكاميرا المستخدمة لتصوير المشاهد الداخلية المضاءة بالشموع موجودة في المعرض، مع عدسة زايس مصممة في الأصل لـ وكالة ناسا، لتصوير الجانب المظلم من القمر.
بالنسبة لفيلمه الذي صدر عام 2001، كان هناك مهندسو شركة "آي بي إم"، إلى جانب مصممي وكالة ناسا، قد عملوا في مجال التكنولوجيا (اسم حاسوب السفينة المتمرد "هال" أخذ اسمه من الحروف أبجدية تسبق "آي بي إم") بل وحتى اسم خياط الملكة، هاردي أميس.
إن تصميماته للملابس المستقبلية للعلماء الروس في الفيلم تبرز الشخصيات الضعيفة، بحيث تتأرجح اللقطات ما بين سوينجينج لندن ومارتني مانهاتن في منتصف القرن وكوكب المريخ. في هذا الفيلم أكثر من أي شيء آخر، ربما يظهر تألق كوبريك في تجميع الناس لإيجاد عوالم بديلة يمكن تصديقها.
هناك كذلك المزج بين العلامات التجارية المألوفة للشركات – سفن شركة بان آم الفضائية ومضيفي الطيران، وقلم باركر المصمم خصيصا، وكاميرا نيكون، وفندق هوارد جونسون - مع رؤى مستقبلية رائعة مثل الكمبيوتر اللوحي.
وفي الوقت نفسه، فإن النظام الليلي لحاسوب هال جعل الفيلم يتسم بالتبصر بشكل غريب.
جماليات الفيلم لا تتناغم مع الأفكار المعمارية المعاصرة فحسب، بل تلهمها أيضا.
الأرضية المضاءة التي أنهى فيها رائد الفضاء حياته تستحضر مناظر طبيعية شبكية لا نهاية لها، صممها معماريون إيطاليون في سوبر ستوديو، لكن من الصعب بالقدر نفسه عدم رؤية أرضية الديسكو في سبعينيات القرن الماضي.
تعد الأرضيات مهمة هنا، المتحف أعاد صناعة السجاد الذي صممه هندسيا ديفيد هيكس من فندق "أوفر لوك" في فيلم ذا شاينينج.
لقد أصبح هذا، في حد ذاته، عالما من التكهنات التي تضم كل شيء من لوحات ألعاب الحرب السداسية وتهجئة "تعاويذ" السحر، إلى التلميحات إلى السجون الذهنية وحتى زخارف وكالة ناسا.
من فيلم "دكتور سترينج لوف"، هناك رسومات كين آدم التعبيرية ونموذج لغرفة الحرب تلك بضوئها الدائري، يشبه طاولة الروليت في الكازينو، في إشارة إلى المقامرة المجنونة على الأسلحة النووية.
من فيلم "البرتقالة الآلية"، هناك أزياء ودعائم (بما في ذلك سيارة آدامز برذرز الرياضية المذهلة المنخفضة التي سرقها صديق ألكس).
هناك كاميرات ومكتب كوربيك للمونتاج، تعرض تمثالا للوحات التحكم وأزرار الإضاءة الخلفية والمكالمات الواضحة للغاية، من قمرات القيادة في فيلم ستراينج لوف الذي صدر عام 2001.
أحد الأمور المثيرة للاهتمام هنا هو قدرة لندن على التغير. يكره كوبريك الطيران ويحاول أن يعمل بالقرب من منزله في هيرتفوردشاير قدر الإمكان.
مقاطعة سيلفر تاون في ضاحية دوكلاندز الدخلية أصبحت فيتنام في فيلم فل ميتال جاكيت؛ حديقة هاتون في لندن أصبحت مانهاتن في فيلم آيز وايد شت.
في فيلم البرتقالة الآلية استخدم حي "ثيمسميد" الذي تم بناؤه حديثا على أنه مدينة فاضلة عصرية فاشلة.
واستخدمت أيضا صيدلية تشيلسي في طريق الملوك على أنها متجر تسجيلات مستقبلي، وسكايبريك هاوس في هيرتفوردشاير كموقع لتصوير مشهد جريمة فظيعة.
المبنى كان قد تم بناؤه حديثا من قبل فريق مكون من أربعة مهندسين معماريين غير معروفين آنذاك، نورمان فوستر، ويندي تشيزمان، ريتشارد روجرز وسو برومويل.
إنه هنا في شأن استنساخ أثاث التماثيل، أحد البارزين في هذا المجال. باختصار، المشاهد مخيفة ورائعة. والعرض رائع. في الواقع، لقد كان عرضا مخيفا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES