FINANCIAL TIMES

أردوغان عالق بين نارين

بعد أن أجرت تركيا انتخابات بلدية شهدت منافسة حادة في 31 آذار (مارس)، كان هناك شعور بالارتياح بين كثير من صناع السياسة والمستثمرين والمحللين. ففي النهاية، انتهت مسألة استحوذت على التفكير وستكون هناك فترة توقف في الدورة الانتخابية التركية التي لا نهاية لها على ما يبدو ـ مع عدم تحديد موعد للتصويت المقبل. خلال 16 عاما في السلطة كان الرئيس رجب طيب أردوغان يعتمد على تنمية الاقتصاد وتوزيع فوائده أكثر من اعتماده على أيديولوجيته وعلى حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي إليه.
بعد أن خسر أنقرة وإسطنبول أمام حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض، استخدم نفوذه - الجامح منذ أن نقل تركيا إلى رئاسة تنفيذية على الطراز الروسي في عام 2018 - لفرض إعادة التصويت في انتخابات إسطنبول ـ الإعادة في حزيران (يونيو).
ولكونه تولى منصب عمدة إسطنبول لمرة واحدة، يعتقد أردوغان أن البلاد لا يمكن أن تحكم من دون السيطرة على العاصمة العثمانية السابقة التي انطلقت منها مسيرته المهنية في عام 1994. قال عام في 2017: "إذا تعثرنا في إسطنبول سنفقد مكانتنا في تركيا".
هناك خطر مباشر يهدد أردوغان يظهر في الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة بشأن المشتريات الدفاعية. قد يؤدي هذا الخلاف المستمر منذ فترة طويلة إلى فرض عقوبات أمريكية وربما يؤدي إلى التشكيك في عضوية تركيا في الناتو.
السبب الأساسي هو قرار أردوغان شراء نظام دفاع صاروخي أرض-جو طراز إس-400 من روسيا، من المقرر تسليمه في الأشهر القليلة المقبلة. في الوقت نفسه، تتوقع تركيا استلام طائرة من طراز إف-35، وهي أحدث طائرات الشبح المقاتلة التي تنتجها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وتعد تركيا جزءا من اتحاد (كونسورتيوم) الذي يشترك في إنتاج الطائرة إف-35 مع شركة لوكهيد مارتن.
لكن في الوقت الذي يتدرب فيه الطيارون الأتراك بالفعل على الطائرة الجديدة، علقت الولايات المتحدة تسليم أول أربع طائرات من بين ما يصل إلى 100 طائرة كان من المتوقع أن تشتريها أنقرة، بسبب نظام إس-400. تجادل واشنطن بأن وجود النظام على أرض الناتو سيضر بأمن الحلفاء. إذا تم نشر بطاريات الصواريخ داخل تركيا، حسب هذا الرأي، يمكن لروسيا الحصول على معلومات حول الطائرة إف-35، التي من المقرر أن تصبح الطائرة الحربية الرئيسية للناتو.
إبرام صفقة إس-400 سيكون انتصارا دبلوماسيا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهذا من شأنه أن يحدث شرخا في تضامن حلف الناتو وربما يقوض أمنه. التحديات كبيرة.
قادة الحزبين الرئيسيين في لجان القوات المسلحة والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي كتبوا في صحيفة "نيويورك تايمز" الشهر الماضي: "بحلول نهاية العام، سيكون لدى تركيا إما طائرات مقاتلة متطورة من طراز إف-35 على أراضيها، وإما نظام دفاع صاروخي أرض-جو روسي من طراز إس-400. لن يكون لديها كلاهما".
تقول بعض التقارير إن إدارة دونالد ترمب أمهلت أردوغان حتى الشهر المقبل ليحدد موقفه. يقول مسؤولون أتراك إنه لن يكون هناك تراجع فيما يتعلق بصفقة إس-400، لكنهم يعترفون بأنهم يستعدون للعقوبات التي ستفرض بموجب "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات".
بدأ هذا يتشكل ليكون أزمة حقيقية. على الرغم من أن طريقة عمل أردوغان التي يتبعها تتمثل في الاستقطاب، إلا أن ذلك أمر صعب عند التعامل مع القوى العظمى - خاصة عندما يقودها رجال بلا رحمة مثل بوتين، وغريبو الأطوار مثل ترمب، ومهتمون بالصفقات مثل كليهما.
أصبح أردوغان مدينا لبوتين في السنوات القليلة الماضية، ويعود السبب في معظمه إلى سياسة تركيا الممزقة تجاه سورية. دعمت موسكو نظام بشار الأسد وأنقذته، بينما دعمت أنقرة مجموعة متنوعة من الجماعات الإسلامية الساعية للإطاحة به. مع ذلك، منذ عام 2016 كان الهدف الرئيس لتركيا هو خنق كيان سوري كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدودها - تديره القوات الكردية التي كانت تدعمها الولايات المتحدة في الحرب ضد داعش. هذه هي المَظْلمة الرئيسة لأنقرة مع واشنطن.
مع ذلك، تشكل تركيا الآن الجزء الضعيف بين القوى الثلاث في سورية، مع روسيا وإيران. إذا أهمل أردوغان الروس فيما يتعلق بصفقة صواريخ إس-400، فيمكن أن يكثف بوتين من هجوم القوات الجوية الروسية ضد آخر جيب للثوار السوريين، في إدلب، شمال غربي سورية، حيث تمتلك تركيا عشرات المواقع العسكرية. وتلقي موسكو باللوم على أنقرة لفشلها في السيطرة على جيش من المتطرفين مرتبط بالقاعدة هناك. حتى أن بعض الصحافيين الأتراك يصورون الأمر على أنه خيار بين إتمام صفقة إس-400 أو الهجوم على إدلب.
احتلال تركيا لجيبين سوريين بالقرب من إدلب، في إطار من حملتها ضد وحدات حماية الشعب الكردية، لا يمكن تحقيقه إلا بموافقة روسيا التي تعتمد كثيرا على طريقة المقايضات. لكن تركيا تريد أن تمارس الضغط على الأراضي الواسعة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية شمال شرقي سورية - التي تخضع لغطاء سلاح الجو الأمريكي. كانت واشنطن تحاول إيجاد نوع من المنطقة العازلة هناك، تشمل تركيا، قبل أن يعلن ترمب انسحاب القوات الأمريكية. إذا كان أردوغان يعادي الولايات المتحدة حقا، فلن تكون فقط عضوية تركيا في حلف الناتو أو في الاتحاد الخاص بإنتاج الطائرة إف-35 هو موضع التساؤل.
أردوغان يمكن أن يكون عمليا. كون صداقة مع بوتين في عام 2016، بعد أن أسقطت تركيا طائرة حربية روسية في الجانب الآخر من حدودها مع سورية. وتصالح مع ترمب العام الماضي، بإطلاق سراح قس إنجيلي أمريكي متهم بالتواطؤ في الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016.
لكنه وقع بين نارين في الوقت الذي توقف فيه نمو تركيا الذي يغذيه الائتمان، ما أفسح المجال أمام التضخم الجامح والبطالة المرتفعة والعملة المنهارة، وهي تنخفض الآن بشكل حاد في سوق الصرف. إذا تصادمت كل هذه الأمور، فقد تخرج عن السيطرة بشكل كبير بالنسبة للزعيم التركي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES