FINANCIAL TIMES

أوروبا تتحدث.. آراء متقاربة حول مستقبل القارة العجوز

بدأ الأمر بسؤال: ماذا سيحدث إذا تم جمع غرباء من ثقافات مختلفة، ووجهات نظر متباينة معا، في محادثات مباشرة وجها لوجه؟
لاختبار ذلك، انضمت "فاينانشيال تايمز" إلى "زيت أونلاين" و14 مؤسسة إخبارية أخرى من جميع أنحاء أوروبا، في تجربة على مستوى القارة تسمى "أوروبا تتحدث".
قالت سوزان ماكينيرني، إحدى قارئات "فاينانشيال تايمز" تعيش في فاترشتيتن، في ألمانيا: "كان من المنعش مقابلة شخص ما كنت سأقابله لولا ذلك". من أجل المشروع قادت مع زوجها السيارة لمدة ساعة للالتقاء في مقهى في سالزبورج، النمسا.
قالت ماكينيرني: "الأسئلة التي اختلفنا عليها كانت معقدة وصعبة الحل. حاول كلانا إيجاد أفضل طريقة للمضي قدما واتفقنا أننا، لو منحنا الخيار، ما كنا سنبدأ من هنا".
سجل نحو 1500 من قراء "فاينانشيال تايمز" للمشاركة، إلى جانب 18 ألفا آخرين. طلبنا من قرائنا الإجابة عن سبعة أسئلة بنعم أو لا حول قضايا الاتحاد الأوروبي الرئيسة.
بعد ذلك تمت مطابقتها بخوارزمية مع أوروبيين من بلدان أخرى لديهم وجهات نظر متعارضة. أكثر من خمسة آلاف شخص التقوا في مواقع في جميع أنحاء أوروبا للحديث عن هذه المخاوف.
في هذه المحادثات، قال الليبراليون والمحافظون على حد سواء إنهم سئموا من التركيز على اليمين المتطرف، وأعربوا عن أسفهم لعدم وجود جداول أعمال إيجابية قبل الانتخابات البرلمانية الأوروبية. أعرب كثيرون آخرون عن قلقهم بشأن استجابة الاتحاد الأوروبي لتغير المناخ.
في بعض النواحي، كان المشروع اختيارا ذاتيا: نحو 91 في المائة من المشاركين وافقوا على أن الاتحاد الأوروبي يحسن حياة مواطنيه، لكن الآراء حول مواضيع أخرى كانت أكثر انقساما، على سبيل المثال حول ما إذا كان ينبغي أن تكون لأوروبا علاقات أوثق مع روسيا. فيما يلي بعض من المحادثات:

شميم سياني وسيرج جريسول
شميم سياني، البالغة من العمر 62 عاما، مدربة تنفيذية من لندن، التقت سيرج جريسول، البالغ من العمر 63 عاما، محام متقاعد من بروكسل.
جريسول: "رأيي هو التحفظ على الإسلاموفوبيا أو عدم التوافق مع القيم الغربية"، وهو ما اعترضت عليه شهادة شميم حول معتقداتها.
شميم سياني وسيرج جريسول لخصا بعضا من النقاش حول الهجرة عندما التقيا في بروكسل.
قالت سياني: "شعر سيرج أن المهاجرين لا يندمجون. قلت له إني مهاجرة، وذلك الاندماج قد يكون معقداً ويعتمد على مدى الترحيب بك. ووافق فعلا على أنه لو أننا ولدنا في ظروف أقل حظا، فسنود تحسين حياتنا".
جريسول الذي يصف نفسه بأنه يميني محافظ، تساءل عن علاقة توافق الإسلام مع القيم الغربية والإسلاموفوبيا.
"أوضحت شميم له أنها مسلمة متسامحة وأكثر انفتاحا على المجتمع المعاصر. هذا ما أثار اهتمامي كثيرا وأثبت لي أنني أتوسع في حكمي فوق الحد نوعا ما" على حد قول سيرج.
قالت سياني: "كان من الصعب فعلا ألاّ أجيب على سيرج. كنت أشعر بالقلق من أنه قد يكون صارما ومتشددا، وحقيقة أنه لم يكن كذلك كانت مصدر ارتياح. نحن البشر كائنات معقدة".

كارول فريزر وماتياس فانديندال
كارول فريزر، البالغة من العمر 55 عاما، محامية ضرائب من لندن، التقت ماتياس فانديندال، البالغ من العمر 29 عاما، مدرب وظائف من بروكسل.
"هو يأتي من العلوم الإنسانية، وأنا تجريبية. كانت هناك أشياء حاولنا الاتفاق عليها، لكن في مرحلة ما شعرت فعلا بالغضب الشديد، وكنت على وشك الانسحاب".
ماتياس فانديندال وكارول فريزر اختلفا بشدة حول تغير المناخ عندما التقيا في لندن لتناول الشاي في فترة العصر.
شعرت فريزر أن الجنس البشري يدمر الموارد بمعدل لا يمكن تحمله، بينما أعرب فانديندال عن ارتياب ساحق من السلطة.
وقال إنه حتى التقارير العلمية المدعومة من الأمم المتحدة قد تكون ذات مصالح خاصة، وإن "العلماء قد يخطئون".
عند الذهاب إلى اللقاء، اعتقدت فريزر أن فجوة الأجيال بينها وبين فانديندال ستكون بمنزلة مشكلة. "إنه من جيل الألفية. وقلت في نفسي، ’أوه، سنستمتع، لأنني لا أطيق جيل الألفية. كل شيء يصدر عنهم في مقاطع صوت صغيرة جدا" حسب قولها.
بعد فترة العصر التي كانا فيها معا واشتملت على رحلة إلى المتحف البريطاني وبرج لندن، لم يصلا إلى مستوى من الاتفاق المتبادل.
قالت فريزر: "بشكل عام، كان الأمر صعبا من الناحية الفكرية. كل هذا يتعلق ببناء الجسور. أحيانا تنجح، وأحيانا لا يمكنك ذلك".

ريتشارد هانت وماركو كيو
ريتشارد هانت، البالغ من العمر 64 عاما، مستشار إداري يعمل لحسابه الخاص ويعيش في براغ، التقى ماركو كيو، البالغ من العمر 25 عاما، طالب من فيينا.
"ربما سأكون الآن أقل ارتيابا بالأشخاص الذي يعدون ليبراليين محافظين قبل حتى أن يبدأوا بالتحدث".
على بعد أربع ساعات فقط بالقطار، التقى ريتشارد هانت وماركو كيو في نزهة في فترة العصر في فيينا استمرت أربع ساعات. وتوقعا أن أكبر خلاف بينهما سيكون حول سياسات الهجرة.
اعترف هانت أنه كان حذرا في البداية، عندما عرف كيو نفسه بأنه تحرري محافظ.
قال كيو: "ربما ظن أنني متشدد قبل أن نلتقي، لكنني في الواقع أحمل وجهات نظر وسطية".
قال هانت: "عندما يتحدث البريطانيون عن الهجرة، يشعرون بالقلق بشأن تدفق البولنديين إلى بريطانيا بقدر ما يفعلون بشأن تدفق السوريين. بالكاد يوجد شخص في البر الأوروبي يشتكي من حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، ومن المؤكد أن ماركو لن يكون الأول".
يعتقد كيو أنه لو كان لدى السياسيين المعتدلين أنظمة أكثر صرامة بشأن الحدود، فإن الحركة اليمينية المتطرفة لن تسيطر على البرلمانات في جميع أنحاء أوروبا.
توصل هانت أرضية مشتركة هناك. "وافقت على ضرورة تعزيز الحدود الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وأنه يبدو من الخطأ أن إيطاليا واليونان تركتا من قبل البلدان الأخرى لمواجهة طفرة المهاجرين في عام 2016 بدون مساعدة تذكر".

ستيفاني ليبتشينسكي وسونيا ماير
ستيفاني ليبتشينسكي، البالغة من العمر 34 عاما، مديرة في مؤسسة فكرية أوروبية في بروكسل، التقت سونيا ماير، البالغة من العمر 45 عاما، عاملة اجتماعية في منزل للاجئين في كولونيا. "تعلمت عن واقع العمل مع اللاجئين، عن بعض الأحزاب السياسية الألمانية، وعن النجارة، وفي الغالب، قابلت إنسانة مؤثرة حقا". بينما كانتا تتجولان في بروكسل، ستيفاني ليبتشينسكي وسونيا ماير اتفقتا على أن الاتحاد الأوروبي ينبغي أن تكون لديه سياسات أوضح بشأن تغير المناخ.
أشارت ليبتشينسكي إلى الاحتجاجات المناخية الأخيرة في مدن من جميع أنحاء العالم هي دليل على نجاح الضغط على السياسيين. كما كانت سعيدة لترى أن تغير المناخ أصبح أخيرا على أجندة المرشحين في الاتحاد الأوروبي.
شعرت ماير بقوة بأن بناء خط أنابيب للغاز في ألمانيا ينبغي أن يحصل على موافقة الاتحاد الأوروبي أولا، وأنه ينبغي إعادة النظر في اعتماد ألمانيا على روسيا للحصول على الغاز.
كلتاهما شعرتا بالانزعاج من صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، لكنهما قالتا إنه ينبغي على المعارضين تطوير رؤية إيجابية لأوروبا، بدلا من التركيز على الروايات السلبية.
قالت ماير: "أشعر بالغثيان من التفكير في وجود فاراج في البرلمان الأوروبي".

فيكتور فادانو ويورجن هنريش
فيكتور فادانو، البالغ من العمر 55 عاما، عضو مجلس إدارة في شركات في لندن، التقى يورجن هنريش، البالغ من العمر 65 عاما، مستشار متقاعد في إدارة التغيير، من هوفهايم أَم تاونوس، ألمانيا.
"أنا أقدر شخصيته. لقد استقل طائرة لمقابلة شخص في لندن لأنه أراد مناقشة شيء ما. أستطيع رؤيتنا نصبح أصدقاء".
عندما جلسا لتناول الطعام في "هسبانيولا"، وهي سفينة راسية على نهر التايمز في لندن، افترض هنريش وفادانو أن أقوى خلاف بينهما سيكون حول علاقة أوروبا مع روسيا.
قال هنريش: "خلال المناقشة، تمكنت من فهم سبب عدم إيمان فيكتور بالحوار مع روسيا، إذ أوضح أن ذلك يعود إلى تجربته كطفل في إحدى بلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية القمعية، سابقا.
بالنسبة إلي، وحيث أجدادي حاربوا في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى والدي في الحرب العالمية الثانية، فأنا مؤمن بسذاجة أنه ينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا في المناقشات الدبلوماسية مع روسيا، لتجنب نشوب أي حرب أخرى".
توصل الرجلان إلى أنه كان لديهما في الواقع كثير من الأمور المشتركة. قال فادانو: "كلانا منفتح فيما يتعلق بالهجرة، أنا لأنني مهاجر وهو لأنه يتمتع بالإنسانية – ما يكفي لاستقبال لاجئ أفغاني في منزله".

سارة توز ويورجن جيرستنر
سارة توز، البالغة من العمر 78 عاما، ناشرة متقاعدة من أدنبره، التقت يورجن جيرستنر، البالغ من العمر 40 عاما، وهو مستشار أعمال، من هايدلبرج، ألمانيا
"هي تبلغ من العمر 78 عاما وتهتم كثيرا بشأن أوروبا لدرجة أنها سافرت إلى بروكسل. قلت في نفسي، حسنا، هذه فرصتي التي تأتي مرة واحدة في الحياة".
كانت سارة توز متحمسة للتحدث مع يورجن جيرستنر بسبب انزعاجها بشأن "بريكست". قالت: "أشعر أنني أوروبية، وأنه إذا غادرت بريطانيا، فسيتم نفيي".
عندما التقيا في الحدث الرئيس لمحادثات أوروبا في بروكسل، أدركا أنهما يتفقان على كثير من الأشياء.
قالت توز: "كنا قادرين على التحدث عن هايدلبرج، حيث يعيش وعشت أنا. أخبرته أنني انضممت للتو إلى الحزب الأخضر، وقال إنه سيفعل قريبا وكان يفكر في خوض مجال السياسة".
واصلا المحادثة عبر البريد الإلكتروني في الأيام التي تلت ذلك، حيث أرسلا حلقات مقاطع صوتية رقمية لبعضهما البعض حول المواضيع من محادثتهما.
قال جيرستنر: "نتفق كلانا على أن تغير المناخ أمر ملح يجب حله بقرارات سياسية أقوى مثل ضريبة ثاني أكسيد الكربون. هذا هو أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتني للذهاب إلى اللقاء، لأنني أعتقد أن أوروبا يجب أن تتصرف ككيان واحد، وبسرعة".

كريستيان هيتروفا ولوتز سبارمان
كريستيان هيتروفا، البالغة من العمر 27 عاما، مساعدة أبحاث من لندن، التقت لوتز سبارمان، البالغ من العمر 60 عاما، وهو متخصص في تكنولوجيا المعلومات من بوبلينجن، ألمانيا
"كنت سعيدا لمعرفة أنه على الرغم من الاختلافات في الجنسيات والعمر والمعتقدات، يمكننا الاتفاق على بعض القيم الأساسية الأوروبية المهمة حقا – التضامن، والاستدامة، الكرامة".
قال سبارمان، الذي التقى السيدة هيتروفا في ساحة في بروكسل: "ينبغي علينا التعاون مع روسيا عندما لا يكون بوتين موجودا هناك".
واختلفا حول إلى أي مدى ينبغي أن تشارك روسيا في مستقبل أوروبا، مع اعتقاد السيدة هيتروفا أن فلاديمير بوتين يجعل من المستحيل على أوروبا التفاوض على أسس عادلة.
شعر سبارمان بالقلق بعد التحدث مع السيدة هيتروفا عن صعود الشعبوية في بلدان أوروبا الشرقية، ربما بسبب هجرة الأدمغة التي لا تضطر ألمانيا إلى القلق بشأنها.
وقال: "إذا غادر الشباب وطنهم لأسباب سياسية واقتصادية، قد يؤدي ذلك إلى حالة قد يغلب فيها على الأشخاص الباقين، ربما الأقل تعليما، الشعور بالحرمان فيصبحون أكثر انفتاحا على الأحزاب الشعبوية".
كما تحدثا أيضا عن "بريكست". السيدة هيتروفا، التي عاشت في بريطانيا لبضعة أعوام، قالت إن بريطانيا تجلب بعض البراجماتية والبساطة إلى الاتحاد الأوروبي، التي ستفتقدها. وقال سبارمان إن بريطانيا جلبت شعورا جيدا بالمنافسة والكفاءة في الأعمال، يمكن أن يتعلم منه الاتحاد الأوروبي أيضا.

فيليب مينس وجيف أونيل
جيف أونيل، البالغ من العمر 65 عاما، مطور أنظمة معلومات متقاعد من بورنماوث، التقى فيليب مينس، البالغ من العمر 68 عاما، مترجم مؤتمرات متقاعد من باريس.
"ما الضرر الذي ألحقه بي الاتحاد الأوروبي؟ لا شيء" حسب أونيل.
لا يعتقد أونيل ولا مينس أن "بريكست" سيحدث، على الرغم من استفتاء عام 2016. قال أونيل من مجلسه على أريكة حمراء في زاوية هادئة في مناسبة "أوروبا تتحدث" في بروكسل: "لا يوجد إجماع. إجراء استفتاء ثان هو الطريقة الوحيدة لحل هذا بشكل عادل".
أثناء محادثتهما، ناقش أونيل ومينس تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على البلاد، وسلطا الضوء على حرية الحركة التي يتمتعان بها، وكيف سهلت حدود منطقة اليورو وشنجن السفر عليهما.
قال مينس: "بشكل غير بديهي، التقدم الكبير الذي حققته منطقة اليورو ومنطقة شنجن لا يفيد الذين صمم من أجلهم في الأساس فحسب، بل يمكن أيضا أن يتمتع به الأشخاص الذين يعيشون خارج المنطقتين. إنها نقطة إيجابية حاسمة للاتحاد الأوروبي".

آنا فيرلان وديفيد بلاك
آنا فيرلان، البالغة من العمر 24 عاما، طالبة من كولونيا، التقت ديفيد بلاك، محلل أعمال من لندن.
كان برنامج "أوروبا تتحدث" فرصة رائعة للقاء أنواع مختلفة من الناس من كافة أنحاء القارة، وتبادل الأفكار حول شيء عزيز علينا جميعا: أوروبا" حسب قول أحدهما.
فيرلان وبلاك أمضيا كثيرا من اجتماعهما في مناقشة "بريكست" وعلاقة بريطانيا مع أوروبا. صوت بلاك لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، لكنه شعر أنه ينبغي احترام نتيجة الاستفتاء، وأنه ينبغي على بريطانيا إتمام صفقة والمغادرة.
قالت فيرلان إنها تشعر بالأسف لخسارة بريطانيا وترجو أن يكون بوسع الساسة عكس قرار تنفيذ نتيجة الاستفتاء، وبدلا من ذلك البقاء ضمن الاتحاد. وقالت: "عندما حدث بريكست، كنت حزينة للغاية".
كما ناقشا أيضا ما تعلم كل منهما من العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. توصل بلاك إلى أن برنامج إرازموس لتبادل الطلاب، ساعده على التواصل مع أناس أوروبيين ولغات أوروبية أخرى.
وقال: "من المؤسف أن ينتهى برنامج إرازموس. لقد التقيت كثيرا من الأصدقاء بهذه الطريقة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES