FINANCIAL TIMES

تغيير أنموذج النمو الألماني لن يكون سهلا

إيمانويل ماكرون أدلى بتعليق كاشف على هامش قمة غرب البلقان الأخيرة في برلين الشهر الماضي. الرئيس الفرنسي قال: "ربما كان أنموذج النمو الألماني يسير في مساره الطبيعي". أعتقد أن هذا بيان غير عادي يصدر عن رئيس فرنسي. فهو يوضح أنه فكر في هذه القضية لبعض الوقت. وهذا يدل على أن علاقة الحب الكبرى مع ألمانيا قد انتهت. نحن الآن ندخل بوضوح مرحلة مختلفة في العلاقات الفرنسية - الألمانية.
زوال أنموذج النمو الألماني لن يكون بالضرورة كارثة. إذا سارت الأمور على ما يرام، فإن الانحسار البطيء للقدرة التنافسية الألمانية ربما حتى يكون الحدث السعيد المفاجئ الذي يؤدي إلى التقارب الاقتصادي في منطقة اليورو. لكن في قارة لا تسير فيها الأمور على ما يرام طوال الوقت، يمكن أن تتطور الأمور بشكل مختلف إلى حد ما.
الأنموذج الألماني يحتوي على عنصرين متفاعلين - التكنولوجيا والاقتصاد الكلي. ألمانيا تستفيد من الاختراعات العظيمة الماضية، وتمكنت من الحفاظ على ريادتها في السوق في كثير من التخصصات الهندسية. لقد كانت استراتيجية صناعية ناجحة لفترة طويلة. ألمانيا دعمت أنموذجها ببنية تحتية معقدة: من التدريب الفني القائم على المهارات، إلى معاهد البحوث التطبيقية ذات التكنولوجيا العالية، والسياسات الحكومية الصديقة للصناعة. إياك أن تفكر حتى لدقيقة واحدة أن عدم وجود حد للسرعة على الطرق السريعة هو مجرد تفضيل للناخبين.
أنا لا أشجع القراء على التنبؤ بزوال أنموذج النمو الألماني بخفة. يحتاج المرء إلى تقدير نجاحاته الماضية والمشكلات المحددة التي يواجهها الآن. وهو يعد متجذرا في الاختراعات التي أثبتت صلابتها اقتصاديا. رأينا أجيالا متتالية من صانعي الهواتف الذكية تأتي وتذهب، لكن شركة مرسيدس ما زالت تبيع السيارة التي تعمل بالوقود والتي حصل كارل بنز على براءة اختراعها لأول مرة في عام 1886. إن ما أعطى الصناعة الألمانية فرصة أخرى للحياة هو كيف حققت العولمة زيادة الطلب على الآلات الألمانية وكيف أدت إلى سلاسل إمداد عالمية متكاملة. أعترف أنني لم أر تأثير سلسلة الإمداد عندما تنبأت بزوال الأنموذج الاقتصادي الألماني منذ أكثر من عقد.
الاتجاهات الجديدة قد تتطفل وذلك من شأنه إطالة عمر أنموذج النمو. لكن ماكرون محق في النهاية. سيتلاشى هذا الأنموذج - "ربما"، مثلما أضاف بحكمة.
السبب في توقع هذا التطور هو أن بطل العالم في العصر التماثلي يعاني مع الرقمنة. صناعة السيارات الألمانية تحاول الآن اللحاق بالركب في تكنولوجيا البطاريات الكهربائية، وهو مجال المعرفة الخاصة به توجد في الولايات المتحدة والصين. ألمانيا أيضا تحاول اللحاق بالركب في إجراء البحوث حول السيارات من دون سائق. على مختلف المستويات، فشلت ألمانيا في الانتقال إلى القرن الـ21. من بين العلامات التجارية الألمانية العشرة الأكثر قيمة، فإن "ساب"، شركة البرمجيات، تعد الأعلى تصنيفا والأصغر عمرا - إذا استبعدت "دويتشه تيليكوم". تأسست "ساب" في عام 1972. إنها آخر قصة نجاح صناعي كبيرة، عمرها نصف قرن تقريبا.
مع انخفاض الصادرات الصناعية، لابد أن ينخفض كذلك فائض الحساب الجاري في ألمانيا. لكن ألمانيا قد تعوض ذلك من خلال خفض الأجور أو زيادة الفائض المالي. وهي بالفعل على المسار الصحيح لتحقيق ما يفوق الهدف المالي لمنطقة اليورو المتمثل في تخفيض ديون القطاع العام إلى 60 في المائة ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺗﺞ المحلي الإجمالي.
ألمانيا حاليا على مسار - إذا تمت متابعته إلى أجل غير مسمى – يسمح لها بالتخلص من كل الديون. المفوضية الأوروبية ترى أن الديون الفرنسية تحوم الآن حول مستوى يبلغ 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن دون وجود أي مؤشرات على تغيير الاتجاه نحو أي مكان. حتى إيطاليا هي الأخرى على مسار تصاعدي من مستوى أعلى من ذلك بكثير.
السيناريو الحميد يتمثل في أن تتقبل ألمانيا تراجع أنموذج نموها بشجاعة، لكي يتقارب الجميع، وحتى تتخلى منطقة اليورو عن اعتمادها على الفوائض الخارجية وتطور هوية اقتصادية مشتركة أكبر بكثير.
لن يحدث ذلك. مثلما أجد نفسي أكتب كل أسبوع تقريبا، الأصول الآمنة في منطقة اليورو ستكون ضرورية تماما لكل ما يمكن أن ترغب فيه منطقة اليورو من الاستقرار الاقتصادي والمالي إلى القدرة على استخدام اليورو أداة جيوسياسية.
في السيناريو غير الحميد - السيناريو المعروف لدينا - يحدث العكس. الدول الأعضاء تعمل على زيادة ميزاتها التنافسية الملموسة إلى الحد الأقصى ضد بعضها بعضا. أوجه اختلال التوازن تتسع وتظل النظم المالية عرضة للأزمات. وعندما يقع حادث مالي في النهاية، فإن ماريو دراجي، الرئيس الحالي للبنك المركزي الأوروبي، لن يكون موجودا لتنفيذ "ما يتطلبه الأمر".
حدسي يقول إن ألمانيا لن تنتقل من أنموذج النمو الحالي بسهولة، أو بكرامة. ماكرون بالطبع محق في تحليله. لكن السؤال الأكثر إثارة هو: أين يترك ذلك فرنسا، ما هو وضع فرنسا بعد كل ذلك؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES