FINANCIAL TIMES

هل يحلق مويلنبرج بـ«بوينج» رغم كوارث «737 ماكس 8»؟

أراد دينيس مويلنبرج أن يكون "أفضل مصمم للطائرات في العالم"، كما قال ذات مرة لأحد المراسلين.
ترعرع الرجل في حقل تركزت مهامه فيه على حلب الأبقار في مزرعة والده في مقاطعة سيوكس في ولاية أيوا، وحصل على مقعد بارز لدراسة هندسة الفضاء والطيران في جامعة ولاية أيوا، حيث منحته منحة سميت على اسم رئيس تنفيذي سابق لشركة بوينج، فترة تدريب في أكبر شركة لتصنيع طائرات الركاب في العالم.
أطلق ذلك عمله المستمر منذ 34 عاما في شركة واحدة، تكلل بتعيينه في منصب الرئيس التنفيذي في عام 2015.
غير أن الرجل متهم الآن بالإسهام في إثارة أكبر أزمة في تاريخ شركة بوينج، الذي يعود إلى 103 أعوام وبأنه قدم استجابة متعثرة يمكن أن تعمق مشكلات الشركة.
الأسئلة حول ما إذا كانت عيوب التصميم والبرمجيات قد تسببت في حادثتي سقوط لاثنتين من طائرات الركاب النفاثة الأكثر مبيعا في شركة بوينج، تطرح أمام الرجل الموجود في قمرة قيادة الشركة تحديا يهدد حياته المهنية.
كان الوقت لا يزال ظلاما في الخارج يوم الأحد في آذار (مارس) الماضي، عندما استيقظ مويلنبرج على الأخبار التي تفيد بأن رحلة الخطوط الجوية الإثيوبية 302 قد سقطت، ما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 157 شخصا الذين كانوا على متنها.
كانت هذه ثاني كارثة من هذا النوع خلال خمسة أشهر، ومثل طائرة شركة ليون إير الإندونيسية التي سقطت في بحر جاوة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، والذي أدى إلى وفاة 189 شخصًا، كان المتهم طراز 737 ماكس8 من طائرة ركاب أحادية الممر تقع في قلب تسويق شركة بوينج في سوق الرحلات قصيرة المدى.
في غضون ثلاثة أيام، بدأ يغلب على ظن الأجهزة المنظمة أن نظام التحكم في الطيران نفسه قد ظهر في كل من الكارثتين، وقررت سلطات من بكين إلى واشنطن منع جميع طائرات شركة بوينج من ذلك الطراز الذي يبلغ عدده نحو 400 طائرة كانت قد سلمتها شركة بوينج.
تداعيات الحادثتين يمكن أن تكلف الشركة مليارات الدولارات. أقام المساهمون وعائلات القتلى دعاوى قضائية، وستطالب شركات الطيران بتعويض عن تكاليف التوقف عن الطيران، ويمكن أن يؤدي تحقيق واحد على الأقل من التحقيقات الحكومية التي تواجهها الشركة إلى ملاحقات قضائية.
تتطلب الأزمة أن يستعين مويلنبرج بالمهارات السياسية من النوع الذي لا يدرسونه لمهندسي الطيران.
تتعين عليه مواجهة الاتهامات بأن الأخطاء الهندسية أو الطرق المختصرة المتعمدة أدت إلى وفاة 346 شخصا.
يجب عليه أيضا استعادة ثقة الهيئات التنظيمية وشركات الطيران والطيارين - إضافة إلى التعامل مع رئيس أمريكي لديه وجهات نظر قوية إزاء صناعة الطيران.
يجب على مويلنبرج الدفاع عن أكبر شركة مصنعة للطائرات التجارية في العالم، ضد التهم التي تدعي أن الشركة دفعت بطائرة إلى السوق دون إيلاء اهتمام كاف لكيفية تأثير تغييرات التصميم على سلامتها - أو حتى أنها تجاهلت المخاطر بشكل متعمد.
سيتعين عليه أيضا الرد على الاتهامات التي وجهها بعض الطيارين وخبراء الطيران والسياسيين، بأن شركة بوينج كان من الممكن أن تمنع الكارثتين من خلال تدريب الطيارين على نظام ماكس الجديد، لتعزيز خصائص منع الهَوَيان للطائرة والمعروف بـMCAS.
وأن الشركة قد قاومت بعد حادث التحطم الأول الاندفاع لتحديث البرنامج الذي طالب به طيارون من الخطوط الجوية الأمريكية. بعض هذه الاتهامات تتعلق بقرارات تسبق فترة رئاسته للشركة، لكن البعض الآخر اتخذ بوضوح خلال عهده.
والأكثر أهمية من ذلك كله، أنه سيحتاج إلى إقناع جمهور متشكك بأن الطائرة - التي تأمل شركة بوينج في أن تعود إلى العمل في آب (أغسطس) المقبل - ستكون آمنة للطيران.
شركة بوينج تقول إنها أكملت تحديث برنامج يحل مشكلة MCAS الخاصة بطائرة ماكس، إلا أن إدارة الطيران الفيدرالية غير مقتنعة حتى الآن. تجتمع الجهات العالمية المنظمة للطيران قريبا لمناقشة جدوى خطة إعادة تأهيل الطائرة، والتصديق على أنها باتت آمنة لمعاودة التحليق في الأجواء.
ما سيحدث بعد ذلك - خاصة في واشنطن حيث تواجه شركة بوينج تحقيقات من الكونجرس وتحقيقات فيدرالية وتحقيقا جنائيا - يمكن أن تضع علامات استفهام حول بعض طلبات شراء من شركة بوينج يبلغ عددها نحو خمسة آلاف طلب لشراء طائرات من طراز ماكس 8، بل وأن تهدد منصب مويلنبرج.
استجابته حتى الآن أبرزت نقاط قوته، ولكنها كشفت عن بعض النقاط العمياء الخطيرة، وفقا للمخضرمين في الصناعة. مع سيطرة الأجهزة المنظمة والسياسيين بشكل متزايد على المرحلة التالية، فهو سيواجه اختبارات جديدة.
يقول جيفري سونينفيلد، الأستاذ في كلية ييل للإدارة، إنه في تعامل القادة مع الأزمات، بدءا من الوسائد الهوائية المتفجرة من شركة تاكاتا وحتى مفاتيح الإشعال الخاطئة من شركة جنرال موتورز، "أعطي مويلنبرج درجة ب. ويجادل بأن "شخصية المهندس" الموجودة في ذهن الرئيس التنفيذي، كانت بلا فائدة.
يقول ديف كالهون، عضو مجلس الإدارة الأعلى المستقل لدى شركة بوينج، إن مويلنبرج يستحق الفضل في اتصالاته الداخلية، لكن ما يمكن أن يقوله علنا كان مقيدا بسبب الأجهزة المنظمة.
يقول عضو مجلس الإدارة في الشركة: "إنه يواجه وقتا عصيبا للغاية حين لا يسمح له بدحض جميع التعليقات القائمة على التكهنات التي تقذف في وجهه خلال المقابلات، وحين يفعل ذلك فإن ذلك يضعه في موقف دفاعي".
عندما يطلب من المحللين والزملاء أن يوضحوا طريقة تعامل هذا الشخص البالغ من العمر 55 عاما مع الأشهر السبعة التي انقضت منذ تحطم طائرة شركة ليون إير، يغلب عليهم أن يبدأوا بالتعليق قائلين إنه مهندس أولا وقبل كل شيء.
ساعدت خلفيته وأسلوبه العملي في الأسابيع الأخيرة حيث قام بجولة في المصانع واستضاف العملاء ورافق الطيارين في الرحلات الجوية لتأكيد سلامة الطائرة ماكس، كما يقول كالهون.
وصل مويلنبرج إلى المنصب الأعلى بسمعة طيبة كتنفيذي في مجال الدفاع مهتم بالاقتصاد في التكاليف. حين كان في منتصف الثلاثينيات من عمره، كان يتولى عنصر تصميم الأسلحة في محاولة للحصول على عقد بقيمة 200 مليار دولار من سلاح الجو الأمريكي.
لم تفز شركة بوينج بذلك العرض، لكن مويلنبرج ارتفع بسرعة، فأدار قسم الدفاع بأكمله في عمر 45 عاما. سلفه جيم ماكنيرني قال للمستثمرين في عام 2009: "دينيس رجل سيثير إعجابكم قبل انتهاء كل شيء".
عندما تولى مويلنبرج منصبه خلفا لماكنيرني في عام 2015، كانت شركة بوينج غارقة في التحقيقات المحاسبية المتعلقة ببرنامج تأجيل طائرة الرحلات الطويلة 787 دريملاينر Dreamliner وتأخرت عن شركة إيرباص Airbus في سوق الركاب للمسافات القصيرة. وتحت ضغط التنافس مع منافستها الأوروبية، اختارت شركة بوينج تعديل طائرة 737 - التي كانت تطير منذ الستينيات - بدلا من البدء من نقطة الصفر.
لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى تغيرت البيئة التنافسية لصالح شركة بوينج وبحلول الصيف الماضي، كانت الثقة الفائقة التي أعادها مويلنبرج إلى الشركة واضحة للعيان في معرض فارنبورو الجوي في بريطانيا، حيث رسم صورة وردية قوية عن آفاق الشركة، إلى درجة أن أحد المحللين المخضرمين شعر بالقلق من ذلك وقال لصيحفة فاينانشيال تايمز: "دينيس متحمس ومندفع بشكل قوي فوق الحد".
كان هذا التأكيد على الذات مفقودا خلال ما أسماه مويلنبرج "الأسابيع الأكثر إيلاما للقلب" في حياته المهنية.
وقد تجنب على الأقل هذا النوع من الزلات الذي أغرق الرئيس التنفيذي لشركة بريتيش بتروليوم توني هايوارد الذي قال "أريد أن أستعيد حياتي" بعد أسابيع قليلة من كارثة ديب ووتر هورايزون في نيسان (أبريل) 2010، لكن المحللين رأوا مع ذلك أن استجابته العامة للأزمة يشوبها القصور.
منذ عام 1982، عندما سحبت شركة جونسون آند جونسون 31 مليون زجاجة من دواء تايلينول، بعد أن خلطت بعض مسكنات الألم بمركب السيانيد السام، كانت هناك قواعد سلوك بخصوص أزمات الشركات: اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة ووضع الرئيس أمام كاميرات التلفزيون للتوضيح والطمأنة.
مويلنبرج لم يتبع هذا النموذج. يقول جون شيفدين، أحد المساهمين الناشطين في شركة بوينج: "هناك إجماع على أنه كان بطيئا في الاستجابة".
لم يقتصر الأمر على استمرار مويلنبرج في الإصرار على أن طراز طائرة ماكس يمكن أن يستمر في الطيران بعد أن أوقفتها الأجهزة المنظمة الصينية والبريطانية والأوروبية عن الطيران؛ بل كان أيضا غير مرئي لجمهور الطيران.
وضعت الشركة ربانها أمام الصحافيين بعد سبعة أسابيع فقط من تحطم طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية. بدا مويلنبرج اللطيف جافا ودفاعيا خلال مؤتمر صحافي مدته 16 دقيقة، حيث أجاب عن عدة أسئلة قبل أن يخرج من الباب بعد سؤاله عما إذا كان يجدر به الاستقالة.
لقد تبنى أيضا موقفا أكثر صدامية، حيث أشار إلى أن خطأ الطيارين وعوامل أخرى ينبغي أن يكون لها نصيب من اللوم في حادثتي التحطم. يقول المنتقدون إن شركة بوينج دفعت ماكس بسرعة للحصول على شهادات دون الكشف عن أن نظام إم سي أيه إس MCAS يتمتع بقوة هائلة، لإجبار مقدمة الطائرة على الهبوط في ظروف معينة. شركة بوينج تنفي هذا الادعاء.
يقول سكوت هاميلتون، المحلل في "ليهام للأخبار والتحليل"، وهو موقع للطيران على الإنترنت، إنه حتى لو كانت العيوب في جهاز إم سي إيه إس MCAS مجرد رابط واحد في" سلسلة من الأحداث"، كما يوحي مويلنبرج، إلا أن هذا لا يكفي لتبرئة شركة بوينج. وأضاف: "حتى لو أخطأ الطيارون من حيث عدم اتباعهم الحرفي للقواعد، إلا أنني أقول إنهم وجدوا أنفسهم مضطرين لارتكاب الأخطاء بسبب جهاز إم سي أيه إس MCAS وعدم معرفتهم بهذا الموضوع. لقد كان لا مفر أمامهم من ارتكاب تلك الأخطاء بسبب قصور من شركة بوينج".
وفي ضربة أخرى لمصداقيتها، قالت شركة بوينج في نهاية الأسبوع إنها عالجت عيبا في برامج محاكيات التدريب على الطيران "ماكس"ـ لأن الطيارين لم يعيدوا إنتاج الظروف بدقة في الرحلة الإثيوبية.
يقول جيم كوريدور، محلل الفضاء والطيران في شركة سي إف آر أيه: "تقدم شركة بوينج على كثير من التدابير النصفية. كنت أحييهم عندما قالوا ’نحن نعترف بهذا‘ لكنهم تراجعوا بعد ذلك".
السبب، كما يرى هو وغيره من المحللين، هو الخوف من المسؤولية القانونية. يقول ريتشارد أبو العافية من شركة تيل جروب الاستشارية الفضائية: "هناك أسباب وجيهة كثيرة لعدم وجود محامين يديرون شركة. إنها المقامرة الخاطئة: يمكن معالجة الألم المسبق الناشئ عن التقاضي، الأضرار التي تلحق بالسمعة وصورة المنتج، هذه هي الأمور التي تستمر في الحدوث". على الرغم من أن خطأ الطيارين كان له دور، إلا أن الخيط المشترك الوحيد كان هو جهاز إم سي أيه إس MCAS: "لو كنت مكانهم، لن أتحدث عن أسباب أخرى".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES