FINANCIAL TIMES

من البترودولار إلى البترويوان .. انقلاب سوق نفط الغد

اتساع نطاق العقوبات الأمريكية، الذي تجسده جهود جديدة لخفض صادرات النفط الإيرانية "إلى الصفر"، الذي يشمل أيضا تدابير ضد دول تشمل روسيا وفنزويلا وكوريا الشمالية، وبدرجة أقل الصين والاتحاد الأوروبي، سيكون أحد العوامل وراء "تراجع استخدام الدولار كعملة رسمية"، في الوقت الذي تسعى فيه البلدان إلى خفض انكشافها أمام الدولار، وفقا لشركة إنفستك لإدارة الأصول، وهو صندوق بقيمة 134 مليار دولار.
يمكن بالتالي تصور أن يكون صعود الرنمينبي "اليوان" هو "قصة الدورة المقبلة" بفضل اقتران التحولات السياسية والاقتصادية والهيكلية، بحسب ما تتوقعه شركة كبيرة لإدارة الأصول، في ظل تراجع استخدام الدولار جراء العقوبات.
كما أشارت شركة إنفستك إلى التحولات الهيكلية في الصين، مثل الانخفاض في عدد السكان في سن العمل، ما سيؤدي إلى خفض معدل المدخرات المحلية، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار العجز في الحساب الجاري، الذي تفضل بكين تمويله عن طريق الاقتراض بعملتها الخاصة، بدلا من العملة الأمريكية.
وتستشهد الشركة بحقيقة أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر مستورد للنفط في العالم، كعامل ثالث.
وقال فيليب سوندرز، الرئيس المشارك في صندوق إنفستك للنمو متعدد الأصول "أحد أسباب الهيمنة التاريخية للدولار هو التسوية النفطية الأمريكية في السبعينيات، حين كانت الولايات المتحدة في صدارة المنتجين، فتم التواضع على تسوية فواتير النفط مقومة بالدولارات النفطية أو ما عرف حينذاك بـ"البترودولار"، الأمر الذي عزز شبكة التجارة والتمويل القائمة على الدولار".
وأضاف سوندرز "تفضل الصين الآن تسوية فاتورتها التجارية بالرنمينبي إن أمكن. شركات النفط في روسيا وإيران وفنزويلا بدأت منذ فترة قبول الرنمينبي كمدفوعات للواردات الصينية.
هب أن عددا متزايدا من المنتجين قبلوا بذلك النظام، فسيكون لذلك تأثير لا يستهان به".
أشار سوندرز أيضا إلى الكشف في السنة الماضية عن العقود الآجلة للنفط المقومة بالرنمينبي، في بورصة شنغهاي الدولية للطاقة. يتوقع آخرون أيضا هذا الاتجاه.
قال هايدن بريسكو، رئيس قسم الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى بنك يو بي إس لإدارة الأصول "سألني كل بنك مركزي قابلته العام الماضي كيف أخرج من التعامل بالدولار. يتم تداول الرنمينبي الآن في لندن بشكل أكثر من الجنيه الاسترليني".
تأتي هذه التعليقات في الوقت الذي تشير فيه الأبحاث التي أجراها بنك مورجان ستانلي إلى أن "كتلة الرنمينبي" هي ثاني أكبر كتلة عملة في العالم، بعد الدولار.
استنادا إلى طريقة صندوق النقد الدولي في استخدام التحليل الرجعي للحركات المشتركة للعملات لتحديد تكتلات العملات الاحتياطية، توصل البنك الأمريكي إلى أن كتلة الرنمينبي تمثل الآن 28 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بفارق ثماني نقاط فقط عن الدولار.
تأتي موجة الاهتمام بصعود الرنمينبي في الوقت الذي تتراجع فيه جهود بكين لتدويل عملتها، منذ انهيار سوق الأسهم في الصين في عام 2015، ما أدى إلى موجة بيع حادة في الرنمينبي، وفرض قيود أكثر صرامة على رأس المال في محاولة لوقف التدفقات الخارجة.
حصة العملة الصينية من المدفوعات عبر الحدود، كما تم قياسها بواسطة الشبكة المصرفية العالمية SWIFT، بلغت 2.8 في المائة في آب (أغسطس) 2015 قبل أن تنخفض إلى النصف في السنتين اللاحقتين.
ومنذ ذلك الحين ارتفعت الحصة قليلا إلى 2.1 في المائة، لكن ذلك يقع على مسافة بعيدة تماما وراء نسبة 42 في المائة و37 في المائة للدولار واليورو، على التوالي.
كما انخفضت نسبة التعاملات التجارية الصينية التي تتم تسويتها بالرنمينبي منذ أعلى مستوى لها في عام 2015، حيث انخفضت إلى مستوى 20-25 في المائة في الفترة 2013-2014.
ارتفعت حصة الرنمينبي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية "بعد استبعاد احتياطيات الصين نفسها" إلى مستوى قياسي بلغ 2.5 في المائة العام الماضي، من نحو 1.5 في المائة قبل 12 شهرا، وفقا لحسابات مورجان ستانلي "مرة أخرى، أقل بكثير من نسبة 62 في المائة للدولار و20.5 في المائة لليورو".
من ناحية، قد لا يكون هذا "كما يدل ظاهره" تصويتا لا لبس فيه على الثقة، حيث هيمن البنك المركزي الروسي على مشتريات العام الماضي، الذي يمتلك الآن 15 في المائة من احتياطاته بالرنمينبي.
إذا استثنينا روسيا، بالكاد ارتفعت حصة العملة الصينية من احتياطيات العملات الأجنبية العالمية في عام 2018.
مع ذلك، فإن تنويع موسكو من الدولار إلى الرنمينبي في أعقاب العقوبات الأمريكية، يلائم بدقة العالم متعدد الأقطاب الذي تتخيله شركة إنفستك وبنك يو بي إس بشكل متزايد.
قال بريسكو "بعد عام 2008، فقدت الصين السيطرة على قطاع الوقود والطاقة لأن كل شيء كانت تتم تسويته بالدولار. وقالوا "اعتبارا من ذلك الحين إنهم لن يقدموا على تسوية كل شيء بالدولار. ذهبوا واشتروا إفريقيا، واشتروا أكبر شركة سميثفيلد فودز لتصدير للحوم الحية في الولايات المتحدة، وأدرجوا السلع في بورصاتهم".
وأضاف أن "منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم الصين وروسيا والهند وباكستان وأربعا من دول آسيا الوسطى التي ينتهي اسمها بكلمة "ستان"، هي المنظمة الأكثر أهمية في العالم اليوم".
"إنها مثل أن يصبح النيتو والبنك الدولي في هيئة واحدة. عدد سكان هذه البلدان يشكل 45 في المائة من سكان العالم. ستعلن منظمة شنغهاي للتعاون عن نظام للدفع بغير الدولار في مرحلة ما، وعندها لن يستطيع أحد أن يفرض رأيه عليها، لأنها تستطيع الوصول إلى سوق مالية يمكنها التحكم في أسواق السلع.
"بشكل تقليدي، استغرق الأمر 70 عاما لإنشاء مركز مالي، لكن في وجود هونج كونج، أصبح الأمر سهلا" حسبما أضاف.
توضح البيانات من شركة إنفستك إلى أي مدى يظل الرنمينبي بعيدا عن كونه منافسا جادا للدولار كعملة احتياطية، وأيضا إلى أي مدى قد يكون التحول عجيبا إذا كان سيحقق هذه المكانة.
هو غائب بشكل أساسي عن أسواق الدين والقروض الدولية وفواتير التجارة العالمية، ويمثل 2 في المائة فقط من حجم تداول العملات الأجنبية.
عندما يتعلق الأمر بما تصفه شركة إنفستك بـ"الامتياز الباهظ"، فإن حصة الرنمينبي من الاحتياطيات العالمية مقسومة على حصة الصين من الناتج العالمي، كانت نسبة لا تذكر عند 0.07 نقطة في عام 2017.
هذا يقع على مسافة بعيدة تماما عن الرقم المكافئ للولايات المتحدة البالغ 4.1 نقطة، ورقم منطقة اليورو عند 2.15 نقطة، وبريطانيا 1.96 نقطة، واليابان 1.15 نقطة وسويسرا 0.49 نقطة.
يوضح هذا التمثيل طويل الأجل أن تغيرات حالة عملات الاحتياطي يمكن أن تكون مفاجئة. ارتفعت العملة الأمريكية بشكل كبير من 0.21 نقطة في عام 1913 إلى 5.54 في عام 1950، حيث أصبح نظامها الاقتصادي والمالي أكبر من أن يتم تجاهلهما، وفقا لسوندرز من شركة إنفستك.
في المقابل، هبطت نسبة عملة بريطانيا من 6.33 في عام 1966 إلى 0.38 في عام 1976، حيث عانى الجنيه الاسترليني عقدا حافلا، وهبطت العملة السويسرية من 5.35 في عام 1980 إلى 0.44 في عام 1999، حيث أصبحت مكانتها كملاذ آمن أقل قيمة.
قال ساهل مهتاني، مختص استراتيجي في معهد إنفستك للاستثمار "يغلب على تغيرات العملة أن تكون حادة للغاية. من غير الواقعي الإشارة إلى أنه سيكون تغييرا تدريجيا بطيئا. من المرجح أن يكون تغييرا سريعا للغاية".
وقال مهتاني "إن البيانات قوضت أيضا الرأي السائد بأنك بحاجة إلى حساب رأسمالي مفتوح، حتى تكون لديك عملة احتياطية".
وأضاف "لم تكن هذه هي الحال تاريخيا"، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة كانت لديها ضوابط رأسمالية في الستينيات، وأن منطقة الجنيه الاسترليني كانت لديها ضوابط رأسمالية طوال فترة هيمنتها، لكن حتى بعض البلدان غير التابعة للكومنولث مثل السويد والدنمارك، كانت معظم احتياطاتها في وقت ما في الجنيه الاسترليني". وأضاف "هيمنة العملة تتخلف عن الهيمنة الاقتصادية".
جيمس لورد، رئيس استراتيجية الدخل الثابت للأسواق الناشئة في بنك مورجان ستانلي أشار إلى أنه "من الممكن ألا تكون قابلية التحويل الكامل ضرورية، كي يتمكن الرنمينبي من زيادة دوره كعملة احتياطية عالمية".
وقال لورد "إن التزام بكين بأن ضوابط رأس المال ستظل مطبقة فقط على المواطنين الصينيين، وليس المستثمرين الأجانب أو البنوك المركزية، من شأنه أن يساعد في التغلب على هذا الحاجز المحتمل".
علاوة على ذلك، قال "إنه نظرا إلى فرض قيود على رأس المال جزئيا للحفاظ على استقرار سعر الصرف، فقد يرى مديرو الاحتياطيات النقدية أن هذا الاستقرار مهم بما فيه الكفاية للتغلب على قابلية التحويل".
المتطلبات الأخرى لبلد ذي عملة احتياطية، على الأقل وفقا لبيل دادلي، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، هو "أسواق رأسمال عميقة وسائلة وشفافة".
مع وجود أكبر أسواق الأسهم والسندات خارج الولايات المتحدة، وبدايات سيل محتمل من الاستثمار الأجنبي مع بدء دمج هذه الأسواق في المؤشرات العالمية الرئيسة، قد تدخل الصين هذه الفئة قريبا أيضا.
قال بريسكو "إدراج سوق السندات هو أكبر تغيير في الأسواق المالية في حياتنا. ستشكل الصين ما بين 20 و25 في المائة من مؤشر إجمالي السندات العالمي في السنوات القليلة المقبلة.
وستكون بحجم سوق السندات الأمريكية خلال خمس سنوات". يشار إلى أن بريسكو يتوقع "تحولا ضخما" حين تضاعف السندات حصتها من إجمالي سوق الائتمان الصينية بالغة 30 في المائة، على حساب القروض.
لا يمكن فصل دور الجغرافيا السياسية عن أي نقاش حول عملات الاحتياطي أو شبكات الدفع المستقبلية.
قال جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، "إنه من العبث أن تدفع أوروبا 80 في المائة من فاتورة وارداتها من الطاقة بالدولار، فيما يأتي نحو 2 في المائة فقط من وارداتنا من الطاقة من الولايات المتحدة... أو أن تشتري الشركات الأوروبية طائرات أوروبية بالدولار بدلا من اليورو".
بالمثل، في أعقاب تشديد العقوبات المفروضة على إيران (حاولت فرنسا وألمانيا وبريطانيا إيجاد طريقة للتغلب عليها، من خلال إنشاء نظام دفع بغير الدولار، لكنها فشلت حتى الآن).
وقال سوندرز، الذي أدرج أيضا الغرامات الأمريكية المفروضة على المصارف الأوروبية على جرائم مثل خرق العقوبات وغسل الأموال، "إنها موضوع مهم، أعتقد أن هناك عواقب اقتصادية مترتبة على الوضع في الولايات المتحدة، وأعتقد أن هناك فرصة معقولة لأن تصبح أوروبا أقل اعتمادًا على الدولار، والطريقة التي تعمل بها السياسة الأمريكية".
ويرى أن انخراط الصين ضروري لنجاح أي نظام معقول للمدفوعات البديلة.
ومع ذلك، أضاف "أنت تدعو إلى الاستقرار السياسي وما إذا كانت البلدان ستختلف فيما بينها في الواقع وتنتهي إلى الصراع. يقلل الناس من درجة الاستقرار السياسي في الصين. هناك هذا الافتراض بأن الدولة ذات الحزب الواحد ستنهار في نهاية المطاف، وستكون هذه تجربة مدمرة للغاية".
"كان هناك هذا الرأي بأن الصين ستتطور في نهاية المطاف إلى نظام سياسي أكثر ليبرالية. فوجئ المراقبون في واشنطن بأن البيروقراطية في الصين تحظى بتقدير كبير".
التوقعات الأساسية من شركة إنفستك هي أن بكين تحفز بالفعل على إنشاء نظام نقدي جديد، لكن على أساس إقليمي حيث يكون الرنمينبي عملة احتياطية ضمن كتلة تجارية آسيوية تركز بشكل متزايد على الصين.
قال سوندرز "إن هذا السيناريو، الذي يتماشى مع مبادرات السياسة الحالية مثل الحزام والطريق والتوسع المستمر في خطوط مقايضة من بنك الشعب الصيني، من شأنه أن يكون صورة عن كتلة الاسترليني بين الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي.
وافق بريسكو على ذلك وقال "نقول للعملاء إن هذا الترسيم السخيف للأسواق المتقدمة والأسواق الناشئة يجب أن ينتهي".
"ستكون هناك كتل بالدولار والجنيه الاسترليني واليورو والفرنك السويسري، وكتلة بالرنمينبي ولربما كتلة بالين، لأن آسيا ستعيد إضفاء الطابع الإقليمي، وترتقي على سلسلة القيمة. عموما، تتزايد علاقات الارتباط بين العملات الآسيوية والرنمينبي، بصورة تصاعدية"، حسبما ختم مداخلته.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES