البعض .. «لا يعجبهم العجب...»

|


مؤسف أن تطالعنا مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع وتعليقات لبعض الإخوة العرب، تنضح بالحقد والكراهية للمجتمعات الخليجية، على الرغم من أنهم يعملون بمؤسساتها وينعمون بخيراتها، وقد اختاروا العمل بها بمحض إرادتهم وطوع اختيارهم، ويحدث ذلك مع أن المجتمعات الخليجية تسهم -دون منة- إسهاما كبيرا في تشغيل فائض القوى العاملة من جهة، وتقدم دعما للمشاريع التنموية في معظم الدول العربية من جهة أخرى.
وقبل النظر في حال الدول العربية غير النفطية، لنتخيل كيف سيكون حال المجتمعات الخليجية لو لم يكتشف النفط؟ أعتقد أنها لن تكون بأحسن حال من بعض الدول النامية الفقيرة، وستكون مصدرا لهجرات مغادرة إلى الشام وشمال إفريقيا والدول الأوروبية والبلدان الأخرى، كما كان يحدث في الماضي. ولكن في ضوء النمو السكاني السريع في الدول العربية غير النفطية، فإن الحال لن يكون أفضل من الدول الخليجية، بل ستتضاعف أعداد الهجرات الشرعية وغير الشرعية لأوروبا وأمريكا، خاصة مع عدم وجود أي تميز أو تقدم في نظمها السياسية أو التعليمية أو الاقتصادية. وبناء عليه، فإن تأثير النفط العربي في الدول العربية غير النفطية كبير جدا يفوق التوقعات،
على الرغم أن الأصوات "الناعقة" لا تمثل السواد الأعظم من المجتمعات العربية، التي تؤمن بالتقارب العربي وتشعر بالمصير الواحد، فإن هذه القلة القليلة لا تخدم مصالحها، ولا مصالح مجتمعاتها الأصلية بإثارة الكراهية بين المجتمعات العربية. والسؤال المطروح، ما المصلحة من المشاعر السلبية التي تنضح بالحقد والكراهية بين الحين والآخر؟
يمكن تصنيف هذه الأصوات إلى ثلاثة أصناف أو أنواع، الأول يمثل أصواتا تنتمي إلى مجتمعات هي في حاجة ماسة إلى استقطاب الدعم ليس المادي، فقط، بل السياسي لقضاياهم والوقوف معهم، ليس من قبل العرب فقط، وإنما من جميع دول العالم. وما دام هذا هو الحال، فما الفائدة من إثارة العداء مع بعض الشعوب الخليجية، التي تقدم الدعم على مدى عقود من الزمن، ولا شك أن الدعم واجب عربي، ولكنه ليس "حقا مفروضا"، إذ يمكن أن يتغير تحت ظروف معينة. وعلى الرغم من ذلك، وبشهادة القاصي والداني، فقد كانت "ولا تزال" دول الخليج العربية وفي مقدمتها المملكة من أكبر الداعمين ماديا ومعنويا، لذلك فإن المنطق والحكمة يقولان أن ينأى صاحب الحاجة، ويبتعد عن قضايا غيره ويركز على قضيته، مع السعي لتحسين العلاقات وتوطيد الصلات مع جميع الدول العربية دون استثناء. ولكن من المؤسف أن ما نسمعه ونشاهده يتناقض مع صوت العقل والمنطق والحكمة.
النوع الثاني يتمثل في فئة تعمل في الدول الخليجية وتنعم بخيراتها وتتلقى رواتب مجزية، ولكن لسبب أو لآخر تنكر الجميل، وتطلق ألسنتها "كالكلاب المسعورة"، وهي لا تزال على الأراضي الخليجية، وتنسى أو تتناسى أنها غير مجبرة على العمل في الدول الخليجية، ما يعكس نكرانها للجميل، وتدني أخلاقها، وضعف انتمائها للعروبة والإسلام.
أما النوع الأخير فيتمثل في بعض المثقفين والإعلاميين العرب، الذين ينظرون للدول الخليجية نظرة دونية، ولا يتورعون عن إطلاق صفات التخلف عليها، على الرغم من أن المواطن الخليجي حقق الكثير في مجالات العلم والثقافة، واحتلت الجامعات الخليجية مراتب متقدمة في قائمة الجامعات العالمية. ومن عجائب الزمان أن بعض هؤلاء المثقفين والإعلاميين كانوا بالأمس يتهمون المجتمعات الخليجية بالانغلاق في وجه رياح التغيير الاجتماعي والثقافي، ولكن عندما انتهجت الدول الخليجية سياسة الانفتاح على العالم، خاصة بعدما شعرت باكتمال بنيتها التحتية، وحققت نسبة مرتفعة من التعليم بين مواطنيها. نعم بعد انفتاح المجتمعات الخليجية على العالم وتشجيعها للسياحة ودعمها للفنون العالمية، انقلب بعض هؤلاء المثقفين والإعلاميين العرب على أعقابهم يكيلون النقد، ويتباكون ويتظاهرون بالغيرة على الدين، ويقدحون في الانفتاح الخليجي أمام التفاعل الثقافي والسياحي مع جميع الثقافات والدول. وبذلك ينطبق عليهم المثل الشعبي: "لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب".

إنشرها