ابني يعمل «جرسونا»

|


في إحدى ليالي رمضان ذهبت لاحتساء كوب شاي في مقهى جديد عثرنا عليه مصادفة، وجدنا المكان نظيفا وأنيقا رغم ازدحامه، جاء بالطلب شاب مواطن عليه سمات النباهة، خطر ببالي، وهو يناولني كأس الشاي، ما يتداوله عديدون في وسائل التواصل: لماذا يعمل هذا الشاب «جرسونا»؟ وهل هذا نصيب شبابنا المتعلم؟ تلفت حولي لأجد أن معظم من يعمل في المقهى مواطنون، ولمحت في وجوههم ارتياحا وحماسا للعمل!
الجيل الشاب جيل واعد وصاعد بالفعل، فجل شباب المقهى يعملون فيه مساء وليلا، أما صباحا فيذهبون لوظائفهم. الجميل أن تهيؤات "البرستيج" لم تمر على عقول هؤلاء الشباب ولا تعني لهم كثيرا، فمنهم جامعيون تعلموا في جامعات مرموقة وبتخصصات مطلوبة، لكن لديهم شغف بالقهوة، أو شغف لتحسين مستوى معيشته، عوضا عن "التسدح" وبث الشكوى. ولذا فهو يخرج من الدوام في وظيفته، إلى المقهى ليقضي هناك ساعات كفيلة بأن تضاعف دخله الشهري. لست ضد أن يختار الشاب أو الفتاة أفضل وظيفة ممكنة، فذاك حقه، لكن بعد أن يدخل سوق العمل، بمعنى أن الأمر المرفوض أن يختار الشاب البطالة حتى ولو عرضت عليه الوظائف، فالبطالة لا يمكن أن تكون خيارا مجديا ومجزيا. وليس من شك أن الأجور المنخفضة تشكل عائقا في كثير من الأحيان، خصوصا عندما تتساوى الأمور أمام الشاب، فهل يرتاح في البيت أو أن يعمل لساعات طويلة وأيام متواصلة ليحصل في نهاية الشهر على مئات قليلة من الريالات؟ عديد منهم يقرر ألا يعمل، وبعضهم يعمل وهميا، وبالمقابل فبعضهم يقرر أن يعمل! قبل نحو شهرين طلبت «أوبر» لمشوار قصير، كانت ساعة الظهيرة، وأتاني «كابتن» مواطن شاب بسيارة جديدة. عرفت من الحديث معه، أنه يعمل كابتنا في ساعات محددة، يصلي الفجر، يفطر سريعا، ويعمل «أوبر» قرابة ساعة ونصف، وبعدها يذهب لدوامه في وظيفة بسيطة رغم أنه جامعي، وساعة الظهيرة يعمل في أوبر لمدة ساعة أو أقل "مشوار أو اثنين" وقت استراحة الغداء، وبعد نهاية الدوام يعمل كابتنا كذلك حتى المغرب. قلت له: هذا متعب يا بني، أجاب: أقساط هذه السيارة من مكاسب «أوبر»، وكذلك قسط مدرسة ابنتي الصغيرة. شخص مثل هذا لا أستبعد أن أراه متسنما أعلى الوظائف في سنوات قليلة، وضوح في أولوياته، حرص على وقته، وحرص على الإنجاز، وتضحية من أجل الآخرين.

إنشرها