تحولات في المواجهة التجارية بين واشنطن وبكين

|


تتوسع دائرة المعارك التجارية بين الولايات المتحدة والصين، في الوقت الذي لا تزال فيه الاتصالات وحتى المفاوضات جارية بين الطرفين لحل المشكلات المتفاقمة بينهما. وأثرت الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد الصين في الآونة الأخيرة في وجود الشركات الأمريكية نفسها في الصين، وكذلك الأمر بالنسبة للإجراءات العقابية الصينية ضد واشنطن. ولا يزال العالم يترقب إلى أي حد ستصل إليه المفاوضات التجارية الراهنة؟ بصرف النظر عن بعض التطمينات الإعلامية التي تصدر عن الطرفين بين الحين والآخر. فالأزمة لا تزال موجودة بحجمها قبل المفاوضات، وهذه المعارك ترقى إلى مستوى الحرب التجارية فعلا، ولا سيما بعد فرض الرسوم الجمركية المتبادلة المشار إليها.
تأتي هذه التطورات المخيفة للعالم حقا، في الوقت الذي تتعاظم فيه أزمة شركة "هواوي" الصينية للاتصالات. فالولايات المتحدة تقف ضد هذه الشركة لأسباب تقول إنها تتعلق بالسرية الخاصة بالأمن القومي الأمريكي. وأثر موقف إدارة ترمب بهذا الصدد في الساحة الدولية، حيث لم تلبث اليابان أن أعلنت نيتها وقف بيع "هواوي"، في حين لا تزال الخلافات قائمة في بريطانيا بسبب هذه الشركة، بين مؤيد للقيام بإنشاء الجيل الخامس في المملكة المتحدة ومعارض لمثل هذه الخطوة. والأسباب هي نفسها تلك التي أطلقتها واشنطن، غير أن خروج الشركات الأمريكية من الصين يمثل نقطة تحول حقيقية. فهذه الشركات كانت تنعم بالتسهيلات الكبيرة، إضافة إلى رخص اليد العاملة في هذا البلد.
وخطوة الشركات المشار إليها لا تتجه للولايات المتحدة، أي أنها لم تنقل أعمالها من الصين إلى بلادها، لأسباب معروفة تتعلق بالضرائب والربحية والتشغيل وكل ما يرتبط عمليا بإنتاجها. وتؤكد أكثر من 250 شركة أمريكية تعمل في الأراضي الصينية، أنها تأثرت مباشرة بالإجراءات الجمركية الانتقامية بين واشنطن وبكين، وأن أغلبيتها لا يمكن أن تتحمل المواصلة على هذا المنوال. كما أنها تتعرض للتأخير في تصدير منتجاتها فضلا عن عمليات تفتيش غير عادية، ما انعكس سلبا على أدائها. ومن هنا، فقد أثرت المعارك التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم في جميع الأطراف. وعلى الساحة الأمريكية يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار البضائع القادمة من الصين، ولا سيما تلك التي تدخل في مجال قطع الغيار للسيارات والمعدات.
لا تبدو الأمور واضحة على صعيد ما يجري بين الولايات المتحدة والصين، وكلا الطرفين اتخذ مواقف متشددة، خصوصا فيما يرتبط بالإجراءات الجمركية الانتقامية. بينما يحذر العالم من مغبة حرب مفتوحة لاحقا، في حين أن الاقتصاد العالمي لا يتحمل لا هذه المعارك التجارية ولا الحرب التي يتحدثون عنها. فهذا الاقتصاد يعاني تباطؤا مخيفا بالفعل، وتعد الجهات العالمية المختصة أن حفاظ نمو الاقتصاد على مستواه المنخفض الراهن يعد بحد ذاته انتصارا، لأنه ليس من المتوقع أن يشهد دفعة قوية قبل نهاية العالم الجاري. كل الأعين تتجه الآن إلى العاصمتين الأمريكية والصينية، وفي مقدمتها الشركات الأمريكية تلك التي تعمل في الصين، وتدفع ضرائبها المستحقة للسلطات في بلادها.
المشكلة التي تواجه الإدارة الأمريكية حاليا، هي أن شركات أمريكية تتجه لنقل أعمالها إلى المكسيك أو إلى دولة في القارة الآسيوية، وهذا يتعارض مع مخططات دونالد ترمب بدفعها للعودة إلى موطنها الأول.

إنشرها