FINANCIAL TIMES

توجس المستثمرين من هدوء «العملات» .. خوفا من العاصفة

يميل أمناء الشركات إلى تفضيل استقرار أسعار صرف العملات أكثر من أي شيء آخر، ما يتيح لهم وضع الميزانيات والتخطيط بقدر أكبر من الثقة للمستقبل.
بيد أن الوضع مخالف بالنسبة إلى الاستراتيجيين والمتداولين في "وول ستريت"، الذين يكسبون عيشهم من تحركات السوق إلى حد التقلب، لذا فإن الهدوء الشديد قد يكون مقلقا، بالنظر إلى هاجس تكرار تلك الأزمة.
بيد أن الهدوء الشديد بات هو ما في مواجهتهم الآن، فما العمل؟ أسواق الصرف الرئيسة عالقة في أشد وضع للركود اليوم منذ سنوات، ما دفع إلى مقارنتها بالفترة الهادئة غير الطبيعية ما قبل الأزمة المالية عام 2008.
على أن سوق العملات لا تخلو، في المقابل، من آمال استعادة النشاط للانتعاش.
"في أوقات التذبذب المنخفض، مثلما هي الحال الآن، فإن محفظة مدير الأصول تنتفخ باستفسارات حول ما إذا كانت البيئة تتهيأ لحركة ضخمة ومتذبذبة قريبا"، حسبما تقول مذكرة أحد المتداولين من بنك إتش إس بي سي في أوائل آذار (مارس) الماضي. "الإجابة القصيرة هي: لا".
بعد ستة أسابيع من تلك المذكرة، أثبتت التوقعات صحتها، إذ انهارت مقاييس التوقعات لتقلبات الأسعار.
انخفض مؤشر تذبذب العملات الأجنبية في المصرف الياباني إم يو إف جي MUFG إلى أدنى مستوى له منذ 2014 في الأسبوع الماضي، ما يجعل الظروف الحالية قابلة للمقارنة لفترة امتدت عشرة أشهر في عامي 2006 و2007.
انخفض اليورو إلى ما دون 1.12 دولار في ذلك الحين، إلا أن ذلك المستوى لم يتحقق إلا بعد أن تجاوز قليلا هذه النقطة المتفجرة منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. حينها علق الجنيه الاسترليني عند نحو 1.29 دولار، بينما الدولار عالق بدوره عند أقل من 112 ينًّا.
"السمة الأكثر تميزا في أسواق العملات حتى الآن في عام 2019 هي التقلبات المنخفضة على نحو غير عادي"، حسبما قال ستيفن جالو، رئيس قسم استراتيجية تداول العملات الأجنبية في شركة بي إم أو لأسواق رأس المال.
اشتدت نوبة النعاس بعد أن أكد البنك المركزي الأمريكي توقفا في دورة رفع أسعار الفائدة في آذار (مارس) الماضي، ما يشير إلى أنه لن يرفع أسعار الفائدة مرة أخرى لبقية العام.
إن هذا التحول الحمائمي ممتزج مع المخاوف المتصاعدة بشأن احتمال حدوث تباطؤ عالمي، يعني أن البنوك المركزية الكبرى الأخرى بدت حذرة أيضا، ما أخر احتمال تحركات في السياسة.
بعض المتداولين يفتقدون حتى الإثارة النسبية لـ"بريكست". بعد أن تم تأجيل الموعد النهائي الأصلي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 29 آذار (مارس) الماضي، إلى تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، هدأت المخاوف بشأن مخاطر الخروج "الصعب".
قبل ذلك التمديد، كانت العقود التي تراهن على التقلبات في سعر صرف الجنيه شعبية، إذ سعت الشركات والمستثمرون بشكل مختلف إلى الاستفادة من التحركات المستقبلية في الجنيه الاسترليني أو التحوط منها.
بحلول منتصف نيسان (أبريل) الماضي، كانت هذه العقود لا قيمة لها إلى حد كبير، حيث أدى التأخير إلى إزالة المخاطر الفورية.
"ثمة نقص واضح في المشاركة في العملات الأجنبية نتيجة لانخفاض التذبذب. كما أن تأخير الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أخمد التقلبات"، حسبما قال إيان تيو، رئيس قسم التداول الفوري لأوروبا للعملات الأجنبية من مجموعة العشرة G10 لدى بنك باركليز.
صناديق العملة الكلية انخفضت 2 في المائة في المتوسط في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، وفقا لمجموعة إتش إف آر لبيانات أبحاث صناديق التحوط. هذا تدهور ملحوظ بعد ثبات عام 2018، وسلسلة من المكاسب الصغيرة المكونة من رقم واحد في السنوات التقويمية الأربع الماضية.
قال جيروم بونو، الرئيس التنفيذي لصندوق وايت ماريجولد كابيتال للتحوط، "إن أسواق الخيارات صممت لتعكس وجهات النظر المتباينة بين المستثمرين، بشأن السياسات المتباينة بين البنوك المركزية".
الآن: "لا يوجد كثير من التحيز في الوقت الحالي، ما يعني أنه لا يوجد كثير من الفرص أو الصفقات لانتهازها".
إحدى الطرق التي تستخدمها الصناديق لمحاولة الاستفادة من هذه البيئة هي استخدام هياكل الخيارات للمراهنة على استمرار نطاقات الأسعار طويلة الأجل. هذه الرهانات أصبحت شائعة بشكل متزايد مع صناديق المضاربة، حسب بونو.
بعض عملات الأسواق الناشئة جذبت كذلك بعض الاهتمام من متداولي عملات مجموعة الـ10 المترصدين.
تميل هذه العملات إلى تحقيق أسعار فائدة أعلى، التي يمكن للمتداولين الاستفادة منها عن طريق بيع عملات مثل اليورو أو الين وشراء العملات ذات العوائد المرتفعة، أو ما يسمى بعمليات المناقلة.
"عمليات المناقلة" تعتمد بشدة على نسبة تذبذب منخفضة، إذ إن التحركات المفاجئة في أسعار الصرف، يمكن أن تمحو المكاسب من الفروق في أسعار الفائدة.
"التذبذب المنخفض للغاية على المدى الطويل يعني أنك تحصل على قطرات طبيعية من تدفقات داخلة إلى عملات ذات عوائد مرتفعة بشكل رئيس في فضاء السوق الناشئة"، حسبما قال تيو من بنك باركليز.
إلا أن الاضطرابات الأخيرة في الليرة التركية والراند الجنوب إفريقي، مثلا، تظهر أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تصاب بالتوتر بسرعة.
في المستقبل القريب، يبدو مرجحا أن ظروف السوق ستنمو على نحو أكثر هدوءا. قضاء عطلة لمدة عشرة أيام في اليابان، تبدأ في نهاية هذا الأسبوع، تعني أن نحو 86 في المائة من المتداولين المنتظمين في تلك المنطقة الزمنية سيكونون خارج المكتب، وفقا لاستطلاع أجرته "نومورا".
عديد من صناديق المضاربة قلصت بالفعل رهاناتها قبل هذا الإغلاق، ولا سيما بالنظر إلى المخاطرة المتمثلة في احتمال عودة ظهور تقلبات حادة في سعر صرف الين، مثلما حدث في كانون الثاني (يناير) الماضي.
"أظهر مسحنا أن 46 في المائة من المستثمرين المحترفين سيقللون من مراكزهم في أسواق العملات قبل العطلات الطويلة، وربما يكون المتداولون على الهامش حذرين أيضا لتجنب مخاطر ارتفاع قيمة الين في حالة الانهيار المفاجئ"، حسبما قالت "نومورا".
جورج سارافيلوس، محلل العملات في "دويتشه بنك"، قال "إن نوبة الخمول الطويلة لن تكون مفاجئة، بالنظر إلى أن دورة الأعمال كانت تقترب من أطول فترة انتعاش لها منذ أن بدأت التسجيلات في القرن الـ19".
وأضاف أن "هناك قلة من الأدلة على أن الاستخدام المتزايد للتداول الإلكتروني كان السبب"، مشيراً إلى أن "المستويات المنخفضة الحالية للتذبذب تبدو ذات سمة دورية وليست هيكلية. وبالتالي فإن فترات التعافي الطويلة ستميل إلى أن تؤدي إلى هدوء التذبذب".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES