الثقة والاستثمار الشخصي

|


كثير منا يقف على أحد طرفي نقيض، ثقة عمياء ومخاطرة غير محسوبة يضيع بها مدخراته ويدمر معها كيانه الاقتصادي الشخصي، تجده يستثمر في مساهمات ومواقع دولية مجهولة وأشياء غريبة كمكائن الخياطة أو بطائق جوال أو بضاعة لا يعرف مصدرها. في الجانب الآخر، هناك الحذر المشكك في كل خيار متاح له لحد الابتعاد الكامل عن الاستثمار الجيد مجمدا أرصدته ومعرضها للتآكل. الحل الأفضل بكل تأكيد يقع في المنتصف. ولكنه ليس بتلك السهولة، فالحواجز النفسية والمعرفية التي تنقلنا من الطرف إلى الوسط كثيرة، وتجاوزها يتطلب الاستعداد بالأدوات والأفكار.
المشكلة في مسألة الثقة أنها تخرب بعض الممارسات المالية الأخرى، أي الإفراط في الثقة أو التفريط فيها يجعلنا نسلك مسالك غير نموذجية سرعان ما نندمج بعدها في سلوكيات مالية أخرى تعاكس الاتجاه المطلوب. على سبيل المثال، المشكك الذي يتردد في الاستثمار وفق خطة معقولة، يجد نفسه بلا خيارات، فيبدأ يدير برنامجه المالي بطريقة تعويضية، محاولا تعويض الخلل الذي لديه، الذي كان يجب أن يصنع له خيارا ادخاريا استثماريا بعوائد مجزية على المدى الطويل، فيقوم بتعويض ذلك بخطة تقشفية غير ضرورية يحقق بها أهدافه. بدل أن يربط الحزام لبضع سنوات ثم يرتب أموره بطريقة تسمح له بالاستمتاع بمداخيله مع وجود آلية جيدة للاستثمار، تجده يربط الحزام لعدة عقود تمثل تقريبا معظم حياته العملية. الأدهى والأمر، أن مثل هذا حين يتقاعد يجد نفسه في وضع مبعثر فهو لم يحتط باستثمار مدروس في بداية حياته. فتجده مع الأسف يجتهد في عمله، يربط الحزام طوال حياته، ويتقشف كذلك بعد التقاعد! وتلك هي حالة الذي يفتقد الذكاء المالي، المشكك، الذي لا يملك من التأسيس المعرفي ما يفتح له نافذة خياراته المالية الواسعة.
الثقة المبالغ فيها، وتلك التي في غير محلها، لها مفعول سحري يجعل الأموال تتبخر في غمضة عين. كم من الناس حولنا أضاعوا أموالهم مع شريك مخادع، أو وسيط نصاب، أو فكرة لا تستند إلى مبدأ، أو برنامج لا يحميه القانون ولا يخضع لإشراف أي جهة معتبرة. بل إن الثقة المبالغ فيها حين تختلط بضعف المهارات الاستثمارية تصبح كالسم الذي يحرق الأموال والأنفس، يسقط صاحبها في الورطات والتعثر، والتخبط الاجتماعي، وربما فقد بعضهم وظيفته أو دخل سجنا أو طلب المساعدة بعد أن كان يقدمها! والمحاكم اليوم مليئة بالتجار السابقين والمستثمرين المخدوعين. الاحتراز من الوقوع في هذا الأمر مسألة معرفية مهارية بسيطة، لكن تجاهلها مخاطرة ومصيبة كبيرة.
في معظم الحالات، لا تضطرب درجة الثقة لدى المستثمر الفرد بسبب ظروف نفسية يمر بها أو بسبب خفي لا نعلمه، تحدث حالة عدم التوازن هذه بسبب القفز والتعجل إلى القرار الاستثماري قبل الاستعداد له، وهذا يعني قبل التأسيس المعرفي، قبل النظر في طبيعة الاحتياج الخاص بنا، وقبل تحليل الخيارات المتاحة والتعرف عليها. فيضطر حينها الفرد أن يسند قراره الاستثماري إلى إحدى طريقتين، إما الاستثمار بالثقة الزائدة والمخاطرة و"تجي مثل ما تجي"، أو عدم الاستثمار بالتشكيك والتهرب.
حتى يمكن تجاوز هذه الإشكالية البسيطة والمؤثرة، أضع مجموعة من النقاط التي لا يمكن الاستغناء عنها لبناء القدر الكافي من الثقة والتفاعل الاستثماري المتوازن الذي يقوم على عقلانية مربحة للفرد محققة لأهدافه. أولا، لا بد من الحصول على الوعي المالي الملائم الذي يمكن الشخص من ربط أهدافه الحياتيه بسلوكياته المالية بشكل كلي واضح تظهر فيه مواطن السيطرة ومواطن الضعف. ثانيا، أن يكتب خطة مكتوبة تحقق له أهدافا مالية واضحة يود تحقيقها بمقادير وأزمان معينة. ثالثا، أن يحصل على المعرفة المالية التي تمكنه من تقييم احتياجاته – وهذه لا تحدث إلا بالتثقيف الذاتي - وإيجاد بعض الخيارات المتاحة في محيطه وتقييمها وتحليلها والإقدام عليها. رابعا، أن يصنع رابطا دائما يوثق صلته بالمعرفة المتجددة ويمنحه الثقة، سواء كان بالقراءة والتعلم أو الحصول على إرشاد وتوجيه مالي شخصي، والأفضل بهما معا. خامسا، أن يحرص على حفظ حقوقه بالتعامل مع أفراد تجمعهم الخصال الصانعة للثقة، وهذه الخصال تشمل: المعرفة والدراية، المهارة الفنية، الخبرة والسجل التاريخي الجيد، وجود الحافز عندهم للمحافظة على العلاقة بشكل جيد، خضوعهم لقانون واضح، مثل إشراف مباشر من جهة حكومية، والتعامل وفق قواعد أو إجراءات أو تشريعات موثقة ومبررة يمكن الرجوع إليها عند الحاجة. أي استثمار شخصي يقوم على هذه النقاط الخمس لا يمكن أن يبتعد عن المقدار الجيد للثقة، تلك التي تدفع نحو نجاح العلاقة الاستثمارية، وتمكن من الاختيارات الجيدة والحكيمة، وتساعد على الصبر انتظارا للعوائد.

إنشرها