خيارات دول الخليج في ظل التصعيد الإيراني

|

قررت دول الخليج ومنها المملكة أخيرا الموافقة للولايات المتحدة على الانتشار العسكري في المنطقة بعد سلسلة من الإجراءات والعقوبات الاقتصادية على الحكومة الإيرانية التي نشطت بشكل مكثف خلال العقد الماضي وكانت تخطط منذ ثورة ولاية الفقيه في عام 1979 إلى العمل على نشر هذا الفكر في المنطقة خصوصا المملكة ودول الخليج، إلا أنه وبعد الاتفاق النووي الضعيف وجد النظام الإيراني نفسه متحررا من كثير من القيود لبناء ميليشياته في مجموعة من الدول العربية التي زاد من فرص توسعه في ذلك الأزمات المتلاحقة التي شهدتها بعض الدول العربية، فأوجد ميليشياته في اليمن من خلال الحوثي وميليشياته في لبنان من خلال حزب الله، إضافة إلى مجموع من الميليشيات في العراق، وإيران ومن خلال هذه الأزمة وجدت نفسها في أزمة خانقة تريد التنفيس عنها من خلال افتعال أزمة شاملة في المنطقة يكون مصدرها من خارج إيران لتشتيت من ترى أنهم أعداء لها خصوصا في منطقة الخليج ومن خلال الانطلاق من دول يصعب الدخول معها في حرب وفي الوقت نفسه هي غير قادرة على منع نشاط الميليشيات الموجودة لديها.
دول الخليج اليوم تتمتع بحالة من الاستقرار والنمو والرفاهية ولديها مشاريع تنموية عملت عليها منذ نشأتها من أجل بناء مستقبل مزدهر لشعوبها، وتحقيق تنمية مستدامة وتقديم نموذج حضاري يعكس ما يجب أن تكون عليه الحضارة العربية والإسلامية التي كانت منذ القدم مصدرا لكثير من الحضارات خصوصا بعد رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصبح مصدر نور وحضارة في مختلف بقاع هذا العالم.
إيران اليوم أصبحت قوة لا يستهان بها فيما يتعلق بالتخريب والدمار بدليل حجم الدمار الذي أحدثه دخولها ومشاركتها في العراق وسورية واليمن، فالبلد الغني الذي تدخله مثل العراق تحوله إلى فقير حتى في الموارد التي يتميز بها، أما البلدان الأقل في مواردها فتتحول إلى دمار يهاجر أهلها منها ومن يبقى يكون في حالة من المجاعة التي يصعب عليه الخروج منها. إضافة إلى الدمار الهائل في البنية التحتية في كل منجز ولو كان محدودا، ولو نظرنا إلى مصدر قوة إيران تكمن في الصواريخ والميليشيات وهذان من أكبر العناصر التي يمكن أن تحدث الخراب، والرسائل التي بعثتها إيران للمنطقة من خلال تخريب ناقلات النفط في ميناء الفجيرة والأنابيب في عفيف والدوادمي هي رسالة مفادها أنها ستجعل المنطقة تتحول إلى دمار من خلال تدمير مصادر الثروة في المنطقة، ورغم أنها ادعت بأنها ستهدد مقرات القوات الأمريكية إلا أن تهديدها توجه للمملكة التي لا توجد بها أي قاعدة أمريكية.
القدرات العسكرية للمملكة والإمارات تعد متقدمة وقادرة على مواجهة إيران، إلا أن الإشكالية هنا بأن إيران لا يوجد لديها الكثير لتخسره، ولكن إحداث أي ضرر أو دمار في المنطقة سيحقق لها شيئا من الشعور بالنصر خصوصا بعد عمل المملكة ودول الخليج الحثيث لتدمير مشاريعها في المنطقة التي تفاخر بها، فكم كانت تفاخر بأنها تحكم أربع عواصم عربية وتحلم بأن تبسط نفوذها في البحرين الشقيق، ولكن المملكة وأشقاءها في الخليج كانوا لها بالمرصاد.
وجود القوات الأمريكية اليوم يمكن أن يحقق مجموعة من المصالح منها دعم القوات العربية في المنطقة ومنها المملكة للحد من استخدام إيران لقدراتها التخريبية ومنعها من التجرؤ على ذلك، إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات وإجبارها على منع دعمها للميليشيات في المنطقة العربية، وأن وجود الولايات المتحدة سيجعل هذه القضية عالمية وليست إقليمية. والأهم من ذلك هو أن تصل الحكومة في إيران بعد مراجعة إلى قناعة بأن الاستمرار في سلوكها لبناء قدرات نووية لأهداف عسكرية وتطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية ودعم الميليشيات والمرتزقة في المنطقة لن يحقق لها أي مصلحة سوى الخراب الذي سيبدأ بها، وأن العالم لن يقبل بأن يكون شريان الاقتصاد يواجه تهديدا من حكومة لا تتقن إلا مفهوم الخراب.
المملكة اليوم أصبحت تتطلع إلى أن تقود المنطقة إلى نهضة وحضارة، وقد سعت إلى أن تكون لديها علاقة قوية بكل من يريد لهذه المنطقة الخير، وسعت أيضا إلى بناء علاقة قوية بالقوى العالمية المتقدمة مثل الولايات المتحدة التي يمكن لها أن تدعمها في مختلف المجالات خصوصا التقنية والعسكرية، وذلك امتداد لعلاقة مضى عليها أكثر من 50 عاما، قد تشهد تذبذبا أحيانا لوجود خلافات في بعض القضايا ولكن بالتأكيد أنها قائمة على علاقة استراتيجية ومصلحة مشتركة بين الطرفين.

إنشرها