ثقافة وفنون

«دقيقة صمت» .. قصة فساد تتكرر

«‎أي عمل لا يثير النقاش لا داعي لإنجازه لأنه عندها سيمر مرور الكرام ولا أهمية لحضوره»، ‏ بهذه الكلمات البسيطة كسر النجم عابد فهد جدار الصمت ولخص السبب الحقيقي وراء الجماهيرية التي حصدها مسلسله الأخير «دقيقة صمت»، الذي كرس فكرة استمرار النجم السوري كأحد أبرز رهانات الدراما العربية في كل موسم، وكان منافسا شرسا على صدارة المشهد الرمضاني، ففي ‏هذا العام، يلعب عابد فهد دورا جديدا يضاف إلى سجل سطوع نجوميته وحرفيته كممثل.
«دقيقة صمت» مسلسل لبناني سوري مشترك، يحمل توقيع الكاتب سامر رضوان، صاحب «لعنة طين» و«الولادة من الخاصرة»، وأيضا يحمل بصمة المخرج التونسي شوقي الماجري الذي برع في إدارة كاميرته في شوارع دمشق وبيروت، معيدا عددا من نجوم الدراما إلى الشام في رحلة محفوفة بالمخاطر، ومرتديا ثوب الجرأة لأقصى الحدود في مواجهة الفساد والمفسدين.
ولطالما كان للقدر أو الصدفة دور بارز في تغيير مسار أي عمل يقوم به الإنسان، فشاء القدر أن تظهر شهرة «دقيقة صمت» حتى قبل أن تنطلق صفارة السباق الرمضاني هذا العام، إذ دائما ما تكون دراما الحياة أشد قسوة من دراما المسلسلات، وهو ما يتجسد حرفيا في وفاة الفنان السورى «فواز جدوع»، الذي رحل عن عالمنا أثناء حديثه عن الموت في أحد مشاهد مسلسل «دقيقة صمت». ولقد تعرض «جدوع» لأزمة صحية مفاجئة أثناء تصويره لأولى مشاهده في المسلسل، سلطت الضوء على هذا العمل الاستثنائي هذا العام، قبل أن ينجح في استحواذ المسلسل، المعروض حاليا في موسم دراما رمضان 2019، على اهتمام شريحة كبيرة من الجمهور، الذي أشاد ‏بالعمل بإطار متكامل على منصات مواقع التواصل الاجتماعي بدءا بحبكة العمل وقصته المختلفة عن بقية المسلسلات التي تتخذ من الحب والغرام والهيام ومكائد النساء محورا مركزيا، ‏مرورا بروعة أداء أبطاله من عابد فهد إلى ستيفاني صليبا، وفادي أبو سمرا، وفادي صبيح، وغيرهم وصولا إلى الإخراج المتقن بدقة.

قصة الهروب من حبل المشنقة
تتمحور أحداث هذا المسلسل حول شخصية السجينين الفارين أمير ناصر، يؤدي دوره عابد فهد، وأدهم منصور، يؤدي دوره فادي أبو سمرا، اللذان حكم عليهما بالإعدام ويتم إيداعهما السجن ‏المركزي انتظارا لتنفيذ الحكم الصادر بحقهما. وبشكل مفاجئ، وفي ساعات الفجر الأولى من أحد الأيام، يحضر مدير السجن على غير ‏العادة، ويقدم لضباطه قرارا سريعا يقضي بتنفيذ حكم الإعدام على الفور ومن دون تباطؤ، يبدأ الجميع باتخاذ الإجراءات ‏اللازمة لتنفيذ هذا القرار الذي عليه أن ينتهي في أقل من ساعتين حسب التعليمات العليا. لكن أحداثا غريبة تبدأ في الظهور، أولها احتراق ‏مهجع للمساجين من دون معرفة الأسباب، وثانيهما صدور قرار عاجل بتعيين مدير جديد للسجن، يصل بعد ربع ساعة من وصول ‏المدير القديم لتنفيذ الإعدام
‎ ‎نكتشف بعدها أن هذه الأحداث، ما هي إلا تواطؤ لتهريب المحكومين إلى خارج السجن، بواسطة سيارة المدير الجديد، وإعدام شخصين ‏آخرين نيابة عنهما، وتبدأ بعدها سلسلة الأحداث في التطور، نطل بعدها على المحكومين بالإعدام وهما يخرجان من صندوق سيارة ‏المكلف الجديد بالإدارة، الذي حضر لتنفيذ مهمة إطلاقهما. بعد حوار قصير، يتركهما حرين طليقين برفقة ضابط ليحميهما ريثما ‏تشرق الشمس،‎ يمر كل من أمير وأدهم بصدمة فاجعة، إلا أنهما يشعران بفرح عارم فور إدراكهم أن حبل المشنقة قد ابتعد عن رقبتيهما إلى حين. نعود إلى السجن حيث الورطة الكبرى التي ستودي بمدير السجن «العميد محسن» وتقوده إلى الهلاك، فهروب سجينين محكومين ‏بالإعدام في ليلة تنفيذ الحكم، وبأمر سريع من الجهات العليا، يعني محاكمة ميدانية، ربما يعلق بعدها على ذات المشنقة التي هرب ‏السجينان منها. فيتم إعدام سجينين آخرين عوضا عن المحكومين الأصليين. في الجهة المقابلة، وعندما نطل على العميد عصام المكلف بإدارة السجن ‏خلفا لـ«محسن»، نكتشف أن كل شيء قد تم تدبيره للتخلص من هذين السجينين اللذين سيفضحان كل شيء، وأن السبيل الوحيد لحصول ‏ذلك من دون لغط ومن دون لفت للأنظار، هو أن يتم الأمر على هذا النحو من الترتيب‎.‎ لكن المسألة لا تجري كما خطط لها، ويتمكن السجينان من الهروب، ويخرجان من دائرة التصفية التي دبرت لهما. ندخل إلى منعطف ‏الحكاية المشتعل، ونذهب إلى قصة اثنين كان بينهما وبين المشنقة دقيقة واحدة فقط، ولكنهما تحررا‎.‎ ولكن ما هو مصير أمير وأدهم والعميد عصام وأبو العزم؟ سيبقى ذلك المصير في طي ما ستحمله الحلقات القادمة من المسلسل.

أداء مبدع وميزانية ضخمة
ومع الإعلان عن مسلسل «دقيقة صمت» طرح كثيرون عديدا من التساؤلات حول الشخصية التي سيؤديها النجم فهد، فقد شاهدناه في شخصية المقدم «رؤوف» الذي أدى دوره في مسلسل «الولادة من الخاصرة» ظالما، فهل فعلا يستطيع الانتقال إلى الشخصية المضادة بنجاح من ظالم على مظلوم؟ فهل ستتغلب دماثة خلق «أمير ناصر» في «دقيقة صمت» على ظلم المقدم «رؤؤف» في الولادة من الخاصرة؟ في الواقع دائما ما تحوي شخصيات الكاتب سامر رضوان جوانب نفسية متعددة وصعبة الأداء على الممثلين. فعلى الرغم من صعوبة نصوص الكاتب رضوان، إلا أنها ضرورية ولا نستطيع أن نقول عنها إنها ليست جميلة، ونص «دقيقة صمت» يندرج ضمن هذا السياق. فهو مرهق للإخراج والإنتاج ويتضمن مواقع تصوير عديدة ومتفرقة ومتفرعة، كما أنه احتاج ‏إلى فريق عمل كبير وميزانية كبيرة جدا.
وإلى جانب عابد فهد، تخوض ستيفاني صليبا السباق الرمضاني من خلال مسلسل «دقيقة صمت»، بدور «سمارة» مزورة جوازات السفر، التي تغرم بعابد ‏فهد، وتساعده على بناء حياة جديدة قائمة على الكذب والنفاق، قبل أن يتحولا إلى شريكين في منظومة الفساد‎.‎
هذا إلى جانب الممثل والمخرج‎ اللبناني ‎فادي أبو سمرا‎ ‎الذي لا يختلف اثنان على أن ما يقدمه في هذا المسلسل لا يشبه ما ‏قدمه سابقا في مسلسلاته الأخرى. فبعد نجاحه في دور «هاولو» في «الهيبة العودة» ‎أراد أبو سمرا أن يخرج من ‏إطار الشر ليثبت أن الممثل يستطيع أن يؤدي جميع الأدوار ويدخل صفحة جديدة من الأدوار المختلفة ‏والجديدة‎.‎

إشكالية السجون في وعاء درامي وأحداث دراماتيكية
‏يسلط المسلسل الضوء على قضية إنسانية بأبعادها الحقوقية، وتحديدا إشكالية السجون في العالم العربي في إطار درامي غني بالتفاصيل المثيرة، وحبكة تم إسقاطها على الواقع المرير الذي يمر به عدد كبير من مجتمعاتنا النامية، ليعكس قصصا واقعية عن ‏كيفية إدارة المؤامرات وصراع الرؤوس الكبيرة على السلطة التي يقع ضحيتها عامة الناس الذين لا حول ولا قوة لهم، ليخرج العمل بشكل متماسك بدون أي ‏ملل أو ثغرات لا تغفر إلى الآن.‏ استطاع الممثل السوري «عابد فهد» أن يبهر المشاهدين بأدائه في الحركة والشكل وأن يرفع وتيرة المشاهد التي ظهر فيها بشكل واضح، وأن ينقذ كثيرا منها من رتابة بعض الأداء الذي كان في مقابله لدى الطرف الآخر في المشهد.
يشكل «دقيقة صمت» الذي أخرجه المخرج التونسي شوقي الماجري، عودة للكاتب السوري سامر رضوان إلى الدراما السورية بعد مسلسل «الولادة من الخاصرة»، الذي سلط الضوء على ‏مكامن الفساد في سورية.، ويضم «دقيقة صمت» باقة من الممثلين الذين كانوا يقيمون خارج سورية، مثل عابد فهد، وإياد أبوالشامات الذي عاد إلى دمشق بعد ‏غياب استمر لسبع سنوات لتصوير مشاهده في المسلسل‎.‎
ويلاحظ المتابعون أن نص هذا المسلسل قد كتب بحرفية وإيقاع سريع وحبكة مثيرة تجعل المشاهد يتسمر أمام الشاشة ويتساءل «إلى أين ‏تسير الأحداث؟‎» ، وبحسب ما صرح به بطل المسلسل، فإن صعوبة العمل تكمن في أن جميع أحداثه تجري في 11 يوما فقط، وهنا يكمن التميز‎.‎
يذكر أن شركة «صبّاح أخوان» اختارت الفنان معين شريف لغناء شارة المسلسل‎.‎ وتحمل الأغنية عنوان «يا دني» وهي من كلمات علي المولى وألحان صلاح الكردي وتوزيع مارك عبدالنور‎.‎ وحالف الحظ الفنانة السورية رنا شميس لأداء دور بطولة في «دقيقة صمت»، وذلك إثر انسحاب الممثلة السورية كاريس بشار‎.‎ وصعدت رنا شميّس سلم الشهرة تدريجيا، وخلال سنوات عديدة، تمكنت من أداء أدوار متنوعة في الدراما الاجتماعية والكوميدية ‏والتاريخية‎.
يستمر عرض حلقات مسلسل «دقيقة صمت» للكاتب سامر رضوان، والمخرج شوقي الماجري، وإنتاج شركتي «ايبلا الدولية» ‏و«صبّاح أخوان»، ويحقق المسلسل نسب متابعة عالية ضمن جو كبير من التشويق، يرافق أحداث المسلسل وخصوصا في ظل ‏مصير أمير ناصر، ومواجهته مع العميد عصام، ووقوف أبو العزم برفقة ‏‏أمير لمواجهة عصام.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون