«بريكست» .. لا أحد يعلم

|


"التحرك للبحث عن بديل لماي يعني أن الحكومة غير مستقرة بشكل غير مسبوق".
جيرمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني المعارض

بالفعل لا أحد يعرف ماذا سيحدث بشأن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي "بريكست". المسؤولون والسياسيون البريطانيون لا يقدمون شيئا بهذا الخصوص، ليس لأنهم يعتمدون على السرية، بل لأنهم لا يملكون أي جواب. تحول هؤلاء في ظل الفوضى الراهنة في المملكة المتحدة إلى مجرد محللين لحدث، بينما كان عليهم أن يقدموا الإجابات المطلوبة عن أسئلة محورية. حتى نواب مجلس العموم الذين يعطلون تمرير اتفاق رئيسة الوزراء تيريزا ماي للانسحاب من الاتحاد، فشلوا فعلا في تقديم أجوبة لسكان دوائرهم الانتخابية، أي لناخبيهم. فلم يعد هناك شيء واضح بشأن "بريكست" إلا تاريخ حتمية خروج البلاد في آخر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. هذا التاريخ لا يمكن تغييره لأنه تم تحديده في الواقع بعد معارك سياسية بين لندن وبروكسل دامت أشهرا.
المحافظون يريدون رحيل تريزا ماي بأي ثمن، وبعد محاولات مهينة استطاعوا أن ينتزعوا منها تعهدا بترك رئاسة الوزراء في غضون أسابيع قليلة. بالطبع هناك منهم من يريدها أن ترحل بالأمس، لكنهم في النهاية حصلوا على ما يرغبون فيه، وهو إفساح المجال أمام زعيم جديد لهم وبالتالي رئيس للوزراء، من المرجح أن يكون من كتلة "بريكست". هذا التجمع النيابي يرغب في خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق بصرف النظر عن أي تبعات مخيفة على مثل هذا الخروج. حضر "زعيمهم" وزير الخارجية السابق بوريس جونسون الذي لم ينتظر دقيقة واحدة للإعلان عن رغبته في خوض سباق زعامة الحزب. إنه من "الصقور" الذين تزعموا حملة استفتاء الخروج بعناوين، يرى البعض أنها لم تكن سوى أكاذيب انطلت على البسطاء من المصوتين.
غير أن تعهد ماي بالرحيل، وتسابق "البريكستيون" –إن جاز اللفظ - إلى خلافتها يعقد مسألة الخروج ولا يحلها، ويعمق الخلافات ليس فقط في مجلس العموم بين الأحزاب الممثلة فيه، بل بين أعضاء حزب المحافظين الحاكم نفسه. كل هذا يحدث، والمفاوضات الطويلة التي دخلت فيها ماي مع حزب العمال المعارض الذي يمسك بالفعل بمفتاح تمرير اتفاقها الأوروبي للانسحاب في البرلمان البريطاني، انهارت لأسباب معروفة منذ البداية. فهذا الحزب له مطالب للتصويت لمصلحة الاتفاق أهمها قبول رئيسة الوزراء بخروج يضمن اتفاقية جمركية موحدة مع الكتلة الأوروبية. وهذه الاتفاقية مرفوضة بقوة من أغلبية صقور "بريكست" على اعتبار أنها لن تخلص المملكة المتحدة من قيود بروكسل الإجرائية.
لم تعد هذه المفاوضات ذات أهمية حتى لاستعراضها. في حين لم يتبق أمام ماي إلا محاولة أخيرة لعرض اتفاقها للمرة الرابعة على مجلس العموم للتصويت عليه. وهي أخيرة، لأنه لم يحدث في التاريخ البريطاني الحديث أن قدم مشروع قرار على هذا المجلس بهذا العدد من المرات! كما أن التصويت المشار إليه هو في الواقع بداية الساعات التي ستتبقى لتريزا ماي في الحكم. والخوف هنا في أوساط الذين يطالبون باستفتاء شعبي ثان للخروج، حتى في الأوساط الأوروبية، أن تأتي حكومة "بريكستية" ستتجه بالتأكيد نحو الخروج بلا اتفاق. لماذا؟ أولا لأنها في الباطن ترغب في ذلك، وثانيا لأن الأوروبيين لن يعيدوا التفاوض على ما تم التفاوض حوله على مدى أكثر من عامين ونصف العام. إنه الاتفاق الموجود ولا شيء غيره. وإذا أرادت بريطانيا الخروج بلا اتفاق، فلتخرج ولتتحمل التبعات.
لندع ماي تقول إنها ستقدم عرضا جريئا للنواب للموافقة على الاتفاق. فإذا كان الطرف الأساسي "أوروبا" لن يقبل بتغيير أي شيء فيه، فما الجديد في عرضها الأخير؟! الجواب لا شيء طبعا. ولن يكون الجديد سوى تطمينات لا أحد مستعد لشرائها، لا من معسكر البقاء ولا الخروج. هي تقول، إنها سترفقه برزمة جديدة من الإجراءات تأمل أن تؤدي إلى دعمه من قبل أغلبية النواب. ماذا؟ إجراءات؟ كيف ذلك إذا بقي متن الاتفاق الذي يقع في 585 صفحة على حاله؟! من هنا يمكن تأكيد أن أحدا لا يمكنه أن يعرف مصير "بريكست" في بريطانيا. حتى إن المفاوضين الذي توقفت مهمتهم بالتوقيع على الاتفاق لا يعرفون ماذا سيجري في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. خروج باتفاق. خروج بلا اتفاق. استفتاء شعبي ثان؟ لا أحد يعلم.
الذي يعرفه الجميع، أن بريطانيا تسير أعمالها بلا حكومة ذات سلطة حقيقية، وتنتظر حكومة جديدة حيث يصبح "الترحم" على حكومة ماي ضروريا. المملكة المتحدة بالفعل على مفترق طرق لم تكن عليه بهذه الصورة في السنوات الماضية التي أعقبت استفتاء الخروج. فالتهديد وصل إلى حد طرح موضوع انفصال اسكتلندا عن المملكة، واضطراب سياسي خطير في إيرلندا الشمالية. أي أن المسألة باتت تخص كيان هذه المملكة، بشكلها الذي يعرفه العالم على مر التاريخ. إنها أسابيع الحقيقة تلك الآتية في تاريخ هذه البلاد.

إنشرها