منوعات

«الملالي» بين فكي الردع

ارتفعت وتيرة الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة، وازدادت سرعة المتغيرات، التي بدأت رسم ملامح جديدة للمنطقة، والسبب في ذلك السرطان الإيراني الذي يضرب في كل الاتجاهات حتى يتمكن من البقاء، ولو كان بقاؤه على حساب دمار العالم. وبعد أيام من الهجوم الغاشم على السفن الإماراتية ومحطات النفط السعودية، رفع الكونجرس الأمريكي مستوى القلق تجاه الحرب مع إيران، وطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسميا ببيان استراتيجيته المقبلة تجاه طهران، وعلى الرغم من جميع المعطيات، لم تلجأ دول الخليج العربي إلى حرب مع طهران فهي ظلت مشغولة طوال عقود مضت بالبناء والعمل ومراكمة الإنجازات وليس ببناء الصواريخ والغواصات والميليشيات التي سرقت أموال وخيرات الشعب الإيراني لتكون سلاحا للردع من الخطر الأمريكي بحسب المفهوم الإيراني، لكن حكومة الملالي ليس لديها أي سلاح نووي أو نوعي يمكن أن يصنف عسكريا واستراتيجيا ضمن أسلحة الردع، لأن إيران اليوم بالحسابات الاستراتيجية هي بأمس الحاجة إلى الردع، ولا يمكن أن تكون دولة في العالم بحاجة إلى سلاح ردع أكثر مما تحتاج إليه إيران اليوم، وهي على مشارف التعرض لخطر وجودي مباشر، وطالما أن إيران لم تقم بإجراء أية تجارب نووية أو غير تقليدية حتى الآن، فهذا يعني أنها لا تمتلك مثل هذه القدرات.
تحظى دول الخليج بتحالفات وشراكات استراتيجية مع الدول الكبرى جعلت منها جزءا لا يتجزأ من عوامل قوتها وخاصة أن هذه الشراكات متنوعة جدا وتتيح لها مجموعة من الخيارات اللا محدودة، خصوصا أن مصالح الدول الكبرى سواء التجارية والعسكرية في المنطقة على أراضي هذه الدول، وأن أي تحرك إيراني سيمس مصالح هذه الدول بشكل مباشر، في حين أن إيران لم تترك لدول الخليج أي خيار وظلت تسعى إلى تطويق هذه الدول، تمهيدا لفرض هيمنتها عليها، وحتى تحويلها إلى دول فاشلة، وساحات صراع مع الغرب، وعلى الرغم من ذلك دول الخليج لم ترد الحرب ولا تتمنى حدوث حرب جديدة على حدودها بين أمريكا وإيران، ولا مواجهة محدودة، ولا حتى توترات سياسية، فهي دول صغيرة وغنية ولذلك تميل بشكل فطري إلى دعم الاستقرار وتعزيز العلاقات والشراكات مع الجميع وخاصة دول الجوار، وهذا منطق راسخ في العلاقات الدولية، لكن صناع القرار في طهران يتصفون بحمق لا محدود دفعهم إلى استهداف مصالح إماراتية سعودية، أجبرتهم على التقهقر وقبول المفاوضات مع واشنطن ضمن انصياع كامل للشروط الأمريكية ودون أي تحفظات.
العربدات الإيرانية دفعت الساسة الأمريكيين إلى دراسة إرسال نحو 120 ألف جندي إلى المنطقة، فيما تؤكد معلومات حضور قوات أمريكية ضاربة، جوية وبحرية، وقوات إسناد لوجستي، متكاملة إلى المنطقة التي يوجد فيها أساسا قرابة 25 ألف جندي أمريكي. وعلى الرغم من ذلك يستبعد اللجوء إلى سيناريو المواجهة البرية، إذ إن الحكومات الأمريكية المتعاقبة أصيبت بالملل من المراوغة الإيرانية، ولن تأبه كثيرا لعرض التفاوض، فيما تدل المؤشرات على أن أي حماقة إيرانية جديدة ستواجه بسيناريو الضربات الجوية والصاروخية وربما تكرار لحرب الناقلات وبتركيز عال على إلحاق أضرار اقتصادية بالخصم أكثر من الأرواح والمعدات، ولأن إيران تمتلك قدرات صاروخية لا يمكن الاستهانة بها تستعد أمريكا لأسوأ الاحتمالات، وهو ما يفسر طلب استدعاء الـ120 ألف جندي، في حال أقبلت طهران على مهاترات أخرى.

سوء النيات
أظهرت النوايا السيئة الإيرانية رد فعل أمريكي واسع بعد أن علمت واشنطن أن لدى يران نية لمهاجمة مصالحها في الخليج مما استدعى إحضار قوة ضاربة إلى المنطقة، إذ كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أخيرا، عن طبيعة المعلومات الاستخبارية التي دفعت البيت الأبيض إلى إرسال قوة عسكرية ضاربة إلى الشرق الأوسط، تحسبا لهجوم إيراني وشيك، إذ نقلت الصحيفة، عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين، قولهم إن المعلومات الاستخبارية تمثلت في صور أظهرت تحميل الإيرانيين لصواريخ على متن قوارب صغيرة في الخليج العربي، فيما بدا أنه مؤشر على هجوم إيراني وشيك، كما رصدت الصور، التي التقطت من السماء، قطع صواريخ مجمعة بالكامل، الأمر الذي أثار مخاوف من احتمال أن يطلق الحرس الثوري الإيراني هذه الصواريخ على قطع بحرية أمريكية في الخليج، كما رصدت معلومات استخبارية أخرى تهديدات ضد سفن تجارية في المنطقة، فضلا عن احتمال شن ميليشيات مرتبطة بإيران هجمات على القوات الأمريكية في العراق، مثل الميليشيات العراقية الموالية لطهران، وجماعة الحوثي الإرهابية، وحزب الله اللبناني وغيرهم من أذنابها في المنطقة.
وأشار المسؤولون إلى أن الصور، مع معلومات استخبارية أخرى، تظهر أن إيران قد تكون عازمة على مهاجمة القوات الأمريكية، لافتين إلى أن هذا الأمر كان رأي جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، كما ذكر تقرير نشرته صحيفة الـ"جارديان" البريطانية أخيرا، أن قائدا عسكريا إيرانيا بارزا قابل قيادات في ميليشيات عراقية موالية لإيران في بغداد، وطلب منهم الاستعداد للحرب، ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصادر استخبارية رفيعة قولها إن قائد فيلق القدس، اللواء قاسم سليماني، اجتمع قبل ثلاثة أسابيع بعناصر من الميليشيات الموالية لإيران في العراق، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، إذ أثار تحرك سليماني الرامي لتعبئة حلفاء إيران الإقليميين مخاوف أمريكا وحلفائها من تعرض مصالحهم في المنطقة لتهديدات، الأمر الذي جعل الخارجية الأمريكية تطلب من موظفيها غير الأساسيين مغادرة العراق، كما رفعت بريطانيا الخميس مستوى التأهب لقواتها ودبلوماسييها، نظرا لمخاطر أمنية كبيرة من إيران.
ورغم الاجتماعات المستمرة بين سليماني والميليشيات الموالية لإيران على مر السنوات الخمس الماضية، إلا أن حديثه هذه المرة كان مختلفا بحسب أحد المصادر الذي قال: "رغم أنها لم تكن دعوة صريحة للحرب إلا أنها في المقابل لم تكن بعيدة كثيرا عن ذلك السياق"، وطبقا للمصادر الاستخباراتية، فقد حضر الاجتماع جميع قادة الميليشيات التي تنضوي تحت لواء "الحشد الشعبي"، وهو ما دفع مسؤولا رفيعا كان على اطلاع باللقاء للاجتماع مع مسؤولين غربيين لبحث الأمر، إذ يمارس سليماني أدوارا تنفيذية باعتباره قائد فيلق القدس، من خلال توجيه تحركات الميليشيات الموالية لإيران وتنسيق عملياتها في المنطقة ككل، حيث مثل على مر السنوات الـ15 الماضية يد إيران الضاربة والمؤثرة في كل من العراق وسورية، التي عززت من حضور طهران في هذين البلدين العربيين. وتأتي الأنباء عن اجتماع سليماني مع قادة الميليشيات الموالية لإيران في العراق لتزيد من المخاوف المتعلقة بأنشطة إيران الخبيثة، خصوصا بعد ورود تقارير أفادت بأن قافلة صواريخ إيرانية نقلت إلى سورية الأسبوع الماضي عبر محافظة الأنبار العراقية، بينما تأخذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قضية التهديدات الإيرانية على محمل الجد، أبدى جيريمي هانت وزير الخارجية البريطاني، قلقه مما وصفه بمستوى الخطر المتصاعد من إيران، مشيرا إلى اتفاق لندن مع واشنطن بتقييم ذلك الخطر.

حذر أمريكي
الجيش الأمريكي ذكر أخيرا، أن هناك تهديدات وشيكة محتملة ضد القوات الأمريكية في العراق، التي صارت الآن في حالة تأهب قصوى، مؤكدا المخاوف من قوات تدعمها إيران في المنطقة، وقال الكابتن بيل أوربان، وهو متحدث باسم القيادة المركزية للجيش، إن بعثة بلاده "في حالة تأهب قصوى الآن ونواصل المراقبة عن كثب لأي تهديدات حقيقية أو محتملة وشيكة للقوات الأمريكية في العراق"، فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، التهديدات الإيرانية، لكنه قال إن الولايات المتحدة لا تريد حربا مع إيران، مشيرا إلى أن الرد سيكون بشكل يتناسب مع أي هجمات إيرانية. بدورها، وجهت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض، رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى النظام الإيراني، في خضم تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، في مؤتمر صحافي في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث قالت ساندرز: "نتطلع من أجل أن نرى تغيرا في سلوكهم "الإيرانيين"، لكن إذا أقدموا على أي فعل، فلن يكونوا سعداء". أما بولتون، فقال "إن تحريك هذه القوة العسكرية جاء من أجل بعث رسالة واضحة لا لبس فيها إلى إيران، بشأن الرد على أي هجمات إيرانية، وأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع النظام الإيراني ولكننا مستعدون تماما للرد على أي هجوم سواء من وكلاء النظام أو من الحرس الثوري أو القوات النظامية الإيرانية"، في حين تبقى المواجهة مع إيران مستمرة ومتصاعدة وفق فلسفة ومنطق حروب اللاعنف والردع الملازم لها، ولن تتراجع أمريكا عن هذه الحرب حتى تحقق أهدافها، ويبقى النظام الإيراني بين خيارين: الخضوع لأمريكا وعمل استدارة كاملة استراتيجية نحو الغرب أو مواجهة مصير الدولة الفاشلة.

السعودية بالمرصاد
إلى ذلك، وجهت السعودية صفعة قوية لجماعة الحوثي الإرهابية، التي تبنت العملية ضدها، إذ تركزت ضرباتها الجوية على مواقع حساسة في صنعاء وصعدة بشكل ملحوظ، وهناك تصعيد وكسر لخطوط حمر ضمنية في قواعد الاشتباك، حيث قال وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، عادل الجبير، إن جماعة الحوثي الإرهابية جزء لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني، مشيرا إلى أن هذه الميليشيات تنفذ الأجندة الإيرانية، موضحا في تغريدتين على حسابه الرسمي في تويتر أخيرا، "الحوثي يؤكد يوما بعد يوم أنه ينفذ الأجندة الإيرانية ويبيع مقدرات الشعب اليمني، وقراراته لصالح إيران، وأنه جزء لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني ويأتمر بأوامره، وأكد ذلك استهدافه منشآت في المملكة".
وبالتزامن مع ذلك استهدفت مقاتلات التحالف العربي تجمعات لعناصر جماعة الحوثي الإرهابية في جبل المنظرة في مديرية حيفان، جنوبي محافظة تعز، كما شنت المقاتلات عدة غارات استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي البقع ووادي آل أبوجبارة في مديرية كُتاف في محافظة صعدة، كما قصف طيران التحالف أهدافا ومواقع لهم في منطقة بني سويد في ضواران آنس في محافظة ذمار، فيما أغارت مقاتلات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، على مواقع عسكرية أخرى للجماعة الإرهابية في العاصمة صنعاء ومحيطها. وقالت مصادر يمنية إن عددا من الغارات استهدفت معسكر ألوية الصواريخ على جبل عطان جنوب غربي صنعاء، ومعسكر النهدين، والمقر السابق للفرقة الأولى مدرع، حيث سمع دوي انفجارات كبيرة وتصاعدت أعمدة الدخان، إذ استهدفت الغارات أيضا معسكر بيت دهرة وفريجة والصمع في مديرية أرحب شمال، ومعسكر العرقوب في خولان في محافظة صنعاء.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات