استراتيجية التنسيق والتشاور السعودية

|


اعتمدت المملكة أسلوب وآليات التشاور والتنسيق والتفاهم حول قضايا محورية سواء تلك التي تخص المنطقة أو خارجها. وهذه السياسة جزء أصيل من الاستراتيجية العامة للبلاد، وتستهدف بالدرجة الأولى المصلحة العامة، ولا سيما ما يصب في مصلحة الأمن والسلم الدوليين. والسعودية تنشد كل ساحة يمكن التفاهم على أرضها، ولا تتردد في احتضان هذه الساحة، إذا ما كان الأمر يتطلب ذلك. ففي النهاية، هي لا تنشد إلا الحلول السياسية لكل القضايا المطروحة، ولا تقبل بأي محاولة للنيل من الجهود السياسية، خصوصا تلك التي تسعى إلى الاتفاق لا الخلاف، والحلول لا العقد، والبناء لا الخراب، والسلم لا الحرب. إنها سياسة ثابتة منذ عقود في المملكة التي تمثل محورا إقليميا ودوليا رئيسا، سواء من حيث موقعها أو مكانة قيادتها على الساحتين المذكورتين.
مع كل عدوان إيراني، تعرض الرياض حقيقته على العالم، وهذا الأخير يعرف هذه الحقيقة، إلا أن السعودية تقدمها بأدوات العارف بعمق الحقيقة، والمملكة أكثر الدول التي قدمت للنظام الإرهابي الإيراني الفرصة تلو الأخرى ليكون جزءا طبيعيا من المنطقة ومن المجتمع الدولي؛ وكانت تقدم السلم لأنه الأكثر حفظا للأرواح والثروات والمقدرات، ليس فقط لها، بل لكل الأطراف المعنية، لكنها وصلت إلى الحد الذي وضعته هي لنظام الإرهاب في طهران. فقد أثبت هذا الأخير أنه لا يمكن أن يستمر وفق منهج سلمي طبيعي إنساني، ولا يستطيع أن يتوقف عن أعماله الإجرامية هنا وهناك، ولن يتوقف عن تدخلاته المشينة والتخريبية في أي بلد أو منطقة، تدخلات تستند إلى استراتيجية طائفية دنيئة يعاقب عليها القانون الإنساني بلا تردد.
ومع التصعيد الأخير بالهجوم على الناقلات التجارية في مياه الإمارات، وضرب محطتي ضخ النفط في الأراضي السعودية نفسها، شهد العالم أن هذه الأعمال التخريبية ليست إلا أعمالا موجهة ضد من؟ ضد المجتمع الدولي نفسه، سواء من خلال ضرب استقراره أو زيادة مستوى التوتر في المنطقة ككل. تشاورت المملكة مع حلفائها ومع كل الأطراف المعنية بالتصعيد الأخير، ووافقت مع بقية البلدان الخليجية العربية على إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة المذكورة. فالولايات المتحدة هي أيضا لها مصالحها العالمية، وتسعى إلى منع أي تصعيد يزيد من حدة التوتر الموجود أصلا. يضاف إلى ذلك الرباط الذي أوجده التحالف السعودي الأمريكي منذ أكثر من خمسة عقود. فالمسألة لم تعد تحتمل.
وعلى هذا الأساس، تأتي دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى قمتين خليجية وعربية في مكة المكرمة. وهي دعوة تنسجم تماما مع السياسة السعودية التي أشرنا إليها، وتعتمد على التشاور والتنسيق مع الأشقاء لمواجهة إرهاب الدولة الإيرانية، وللوصول إلى الصيغة التي تكفل منع أي تدهور جديد في هذه المنطقة. والمشكلة الحقيقية هنا، أن إيران لم تتصرف كدولة منذ وصول حكم الملالي إليها، لقد حول هؤلاء بلادهم إلى دولة مارقة تدعم الخراب والإرهاب، وتضطهد شعبها قبل كل شيء، وتحلم بتنفيذ استراتيجيتها المستحيلة. وهي مستحيلة لأن المملكة لن تسمح لها بذلك بأي شكل من الأشكال. القمتان الخليجية والعربية، ستحددان الشكل الحقيقي للتعامل مع هذا النظام الذي يعاند بل يستهدف المجتمع الدولي كله. إنها سياسة التعاون والتشاور والتنسيق من أجل مصلحة المنطقة وشعوبها، بما في ذلك الشعب الإيراني الضحية الأولى لنظام يكره السلم والتنمية والبناء.

إنشرها