FINANCIAL TIMES

إصلاح مناجم بولندا .. أخطر جراحة عقب طي الشيوعية

حاولت الحكومات البولندية المتعاقبة إصلاح الصناعة. على أنها كانت بالفعل حكومات ضعيفة، تتحرك في مواجهة نقابات التعدين القوية في البلاد، ولم يكن من الممكن تحسين الأوضاع حتى عام 1998، حين تعهدت حكومة جيرزي بوزيك بأكبر عملية إصلاح شاملة.
يقول ليزيك بالسيرويسز، الذي كان نائب رئيس الوزراء في عهد بوزيك: "كان إصلاحا جذريا للغاية، أكثر جذرية من إصلاح مارجريت تاتشر. أخرجنا 100 ألف من عمال المناجم من العمل، وأغلقنا كثيرا من المناجم غير المربحة.
لقد خفضنا الانبعاثات لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 40 في المائة.. كان الإجراء البيئي الأكثر أهمية في بولندا، فكان ذاك الإجراء الأكبر في البلاد، بعد "التخلص من الشيوعية".
ورغم مزيد الإصلاحات على مدى العقد التالي، فإن عدم الكفاءة المزمن في مناجم بولندا، لا يزال مشكلة دون حل.
عندما انخفضت الأسعار، وقع القطاع في المتاعب مرة أخرى، حيث عانى خسائر بلغت 4.5 مليار زلوتي في عام 2015.
تم تجنب الكارثة من خلال انتعاش الأسعار، كما تم تخفيف الضغط أكثر من ذي قبل، مع سماح المفوضية الأوروبية لبولندا كي تدعم إغلاق مناجم الفحم الخاسرة.
انخفض عدد العاملين في هذا القطاع إلى 80 ألف شخص، كما حققت مجموعات التعدين التي تسيطر عليها الدولة في بولندا أرباحا في العام الماضي.
تكاليف التمسك بالفحم تتراكم، الأمر الذي يساعد الذين يشككون في مكانة الفحم في قلب الاقتصاد البولندي.
ليس لأن مناجم البلاد تفتقر إلى الكفاءة بالمعايير العالمية فحسب، بل لأن الكمية التي يمكن استخراجها اقتصاديا منه تتضاءل، أيضا.
وفي الوقت نفسه، فإن نظام تصاريح تجارة الكربون في الاتحاد الأوروبي جعل توليد الكهرباء القائمة من الفحم أكثر تكلفة، ما زاد الضغط على مجموعات الطاقة المملوكة للدولة في بولندا.
كشفت دراسة أجرتها وكالة وايزيوروبا في عام 2017 أنه بين عامي 1990 و2016، تلقت صناعة الفحم في بولندا وقطاع الطاقة القائم على الفحم 230 مليار زلوتي، في شكل إعانات مباشرة وغير مباشرة.
يقدر مركز الأبحاث أنها، دون تغيير في السياسة، ستستهلك 150 مليار زلوتي أخرى بحلول عام 2030.
بدأت المخاوف البيئية المتزايدة لدى البولنديين في تشجيع منتقدي الفحم. وفقا لتحقيق أجرته منظمة الصحة العالمية في عام 2016 بشأن جودة الهواء، لأن 33 مدينة ضمن أكثر 50 مدينة الأكثر تلوثا في أوروبا تقع في بولندا.
يقول باوي روسكوفسكي، أستاذ علم الاجتماع في "كوليجيوم سيفيتاس" في وارسو، إن الضباب الدخاني الذي ينزل على البلاد مثل الغطاء السميك في فصل الشتاء، يسبب نحو 45 ألف حالة وفاة مبكرة سنويا وأصبح عاملا مهما في زيادة الوعي البيئي.
ويضيف: "قبل خمس سنوات، لم يكن الناس مهتمين بشكل خاص بهذه القضية. سنة بعد سنة، بدأ مزيد من الناس باستمرار يرون أن هذا الأمر يشكل خطرا عليهم.. لأن في الإمكان شم رائحة الهواء.
في بولندا، لم تكن الحركة الخضراء لها شعبية على الإطلاق، ولكن الآن الأمر ليس مسألة أيديولوجيا، إنها مسألة تجربة يومية.. سيتعين على السياسيين أن يأخذوها في الاعتبار".
في إيميلين، تضرب هذه المخاوف الآن بجذور عميقة لدى الناس.
برزيميك زديتشيفيتش، زوج أليسيا ومؤسس إيميلين الخضراء، إحدى المجموعات التي تحارب توسع المنجم، يسحب هاتفه ويعرض صورة من تطبيق يظهر أنه، في إحدى الليالي في شباط (فبراير) الماضي، كان تلوث الهواء في إيميلين يشكل 908 في المائة من الحد المقبول.
يقول: "يجب أن نرتدي الأقنعة هنا. نحن محرجون من استراتيجية بولندا. الحكومة لا تفعل شيئا لتبتعد عن الفحم بسرعة أكبر".
سيقرر حزب القانون والعدالة هذا العام ما إذا كان سيتم اعتماد استراتيجية الفحم الثقيل التي تم الكشف عنها عشية مؤتمر المناخ COP24.
كانت الرسائل الأخيرة متباينة، حيث كانت الوثائق المنشورة في كانون الثاني (يناير) الماضي، أكثر غموضا بشأن مستقبل طاقة الرياح على اليابسة من الخطة التي تصورت أنها ستقضي عليها.
بالنظر إلى نفور بولندا من الغاز الروسي، والوقت الذي ستستغرقه البلاد لبناء أول محطة نووية في البلاد - المصدر الوحيد الآخر للطاقة الذي يمكن أن يحل محل الفحم كأساس لإمدادات الطاقة في بولندا - لا يتوقع الخبراء تغيرات جذرية في العقد المقبل. يقول توماس جوركانيز، الشريك في شركة ماكينزي للاستشارات: "هل سيحدث أي شيء مهم بالنسبة للفحم قبل عام 2030؟
في رأيي أن هذا مستبعد للغاية. الاستراتيجية بعد 2030 تعتمد حقا على.. ما إذا كانت بولندا ستبني محطات نووية جديدة أم لا؟".
كما تشك شركات المناجم أيضا في حقيقة أن بولندا ستتخلى عن الفحم في أي وقت قريب، بالنظر إلى التكاليف الاجتماعية والتعقيد الفني لغلق المناجم.
يقول ديمسكي، الذي لا يتوقع إغلاق مناجم بولندا قبل عام 2040: "أنت لا تبني المناجم في يوم واحد ولا تغلقها في يوم واحد.
أستطيع أن أضمن لك شيئا واحدا: أي شخص يعمل في صناعة المناجم اليوم سيعمل إلى أن يبلغ سن التقاعد. وهذا ينطبق على كل شخص".
فكرة التخلي عن الفحم تشق طريقها عبر جدول الأعمال السياسي، ببطء ولكن بثبات. توصلت دراسة أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إلى أن 69 في المائة من البولنديين يريدون التخلص من الوقود الأحفوري بحلول عام 2030.
في شباط (فبراير) الماضي، اقترح روبرت بيدرو، مؤسس حزب يساري جديد، إغلاق جميع مناجم بولندا بحلول عام 2035.
في آذار (مارس) الماضي، قال جرزيجور شيتينا، رئيس أكبر حزب معارض اسمه "المنصة المدنية" إنه بحلول عام 2030، يجب ألا يتم استخدام الفحم في توفير التدفئة لأي منزل بولندي.
ويقول جيدراسك من منظمة كلينت إيرث: "اعتاد الساسة أن يكونوا متخلفين مسافة بعيدة عما يريده السكان. بيد أنه في الآونة الأخيرة، رأينا بعض الساسة، حتى المحافظين منهم يثيرون هذه القضية، قبل عام واحد، كنت سأجد هذا مستحيلا".
في الوقت الذي يتحدث فيه الساسة، ينتظر النشطاء في إيميلين بقلق قرار بشأن قضية استئنافهم.
من المقرر أن يصدر الحكم في حزيران (يونيو) المقبل، لكن شركة بي جي جي تؤكد منذ الآن عزمها على الاستمرار. يقول شويداكز: "سنواصل الاستئناف بأقصى ما في وسعنا.
من الصعب أن نقول إننا سنفوز، لكن علينا مواصلة القتال. لأننا إن لم نفعل، فإن الأجيال المقبلة على الأرجح، لن تغفر لنا ذلك أبدا".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES