الادخار والمراهقة المالية

|


لا تنصدم إذا وجدت من يقول لك إن الادخار فكرة قديمة عفى عليها الزمن، وإن هناك دعوات جديدة للتخلي عن الادخار وممارسة أنواع مبتكرة من الإدارة المالية الشخصية التي تعتمد على الفوضى – وهو يسميها "عش حياتك" – وتكون حسب الظروف – وهنا يراها طمأنينة وثقة؛ وربما يحاول أن يضيف بعض الموضوعية لحديثه فيستشهد بالظروف الاقتصادية ويبين لك كيف أن تملك المنزل فكرة خائبة لأن الإيجار متدني القيمة، وقد يطير للاقتصاد الكلي ويريك كيف أن الاستهلاك تغير في معادلة الضروريات ولا يمكن الفرار منه، وأن الرفاهية – حسب وجهة نظره – تقوم في العصر الجديد على كل مؤقت وسريع، ولا مجال لتغيير ذلك. مثل هذا متمرد على الثقافة المالية وينبغي على الأقل عزله وعزل أفكاره المدمرة لغيره.
حتى يتبين لنا حجم الفراغ بين الواقع وبين ما يجب أن نصل إليه، دعونا ننظر إلى التكوين الأمثل للمحفظة الادخارية للفرد حسب العمر. عمريا، تقول القاعدة إن المحفظة الاستثمارية تبدأ بمستوى عال من المخاطرة والعوائد، ثم يقل المستوى تدريجيا مع تقدم العمر. مثال على ذلك، لو افترضنا أن الأسهم تمثل المخاطر الأعلى والصكوك الأقل، فتكوين المحفظة في عمر العشرينات والثلاثينات يجب أن يحتوي على أسهم أكثر من الصكوك، وإذا اقترب من منتصف العمر يتساوى التوزيع، وإذا تجاوز الستينات والسبعينات يتحول إلى زيادة الصكوك لتصبح أكثر من الأسهم. والفكرة أن الفرد في بداية حياته أكثر مرونة وأكثر قابلية لتقبل المخاطر، لذا تلك فرصته لبناء محفظة قوية. بينما قدرته الإنتاجية تصبح أضعف مع تقدم العمر، وقابلية أقل للمخاطرة واحتياج أكبر للعوائد الثابتة خصوصا بعد التقاعد، لذا تكوين المحفظة يجب أن يصبح أكثر اتزانا. المشكلة التي نعانيها محليا ليست في تكوين المحفظة، إنما في أن كثيرين لا يزالون غير مقتنعين بعد بفكرة الادخار، وهذه في الحقيقة مشكلة كبيرة.
عندما نقول الاقتناع بالادخار لا نقصد الحديث عنه إيجابا أو مجرد وصفه كمفهوم مهم، كلا، المقصود أن الاقتناع به كحل قابل للتطبيق والممارسة، الاقتناع المثبت بالتجربة والتفعيل، الاقتناع الذي يجعله فعلا وسلوكا خاضعا للتقييم والتطوير، بكل بساطة، الاقتناع به لحد الإقدام عليه. أما فكرة "ودي أدخر بس ما أقدر" فإنها لا تعكس أي اقتناع جدي بهذا التطبيق المالي والحياتي المهم. لذلك، من هذه الزاوية قد نقسم مستوى الإقبال على الادخار إلى ثلاث مجموعات: المتمردون الذين يعاكسون الفكرة لفظا وفعلا، والشكليون الذين يسايرون الموجة ويمدحون الفكرة دون أي اقتناع فعلي أو تطبيق حقيقي، والمقتنعون بها بشكل جيد ويسعون فعليا إلى تطبيقها.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل إلى مرحلة تنويع المحافظ، وحلول الادخار، ومدى تناسق الادخار مع المقتضيات المالية والحياتية المختلفة، مثل مستوى الدخل، الأهداف الكبرى، أسلوب المعيشة، القدرة الإنتاجية، إلخ. الكم، ومقدار الطلب على هذه العناصر، وزيادة تفاعلنا معها سيؤثر إيجابيا في النوع. أي أن إقبال المجتمع على الادخار سيحسن حلول الادخار وسيجعل مقدمي الخدمات متحمسين لتقديم المزيد، وسيجعل المستفيدين من البرامج الحكومية أكثر تفاعلا ووضوحا. لهذا لابد من زيادة حجم المدخرين ليزيد الزخم وتزيد الخيارات المتاحة لهم.
حياة الإنسان المالية بضعة عقود قد تصل مع زيادة معدل الأعمار إلى 90 سنة أو أكثر. من ناحية مالية كل عقد أو عشر سنوات له خصائصه المالية ويعكس بعض المتطلبات التي تستوجب التخطيط والتنفيذ وبعض العوائد أو الفوائد التي يمكن جنيها، وكل هذا قابل للتصميم والإدارة والسيطرة. المرور من عقد أو عقدين - وربما أكثر - دون تخطيط جيد مراهقة مالية بامتياز، وأسوأ المراهقة تلك التي لا تنتهي أبدا، فهي خراب لنمط الحياة وخراب لنتائجها.

إنشرها