أخبار اقتصادية- عالمية

محللون: الآلية الأوروبية للتجارة مع إيران فشلت قبل بدايتها .. وطهران في حالة طوارئ مالية

سقطت جميع مساحيق التجميل التي تجمل بها النظام الإيراني عبر 40 عاما، ولم يعد أمامه من سبيل غير الاعتراف بالحقيقة، فخلال اجتماع وزاري أقر الرئيس الإيراني حسن روحاني بتأثير العقوبات الأمريكية الضخم في بلاده، ولم يتردد في القول "إن ظروف إيران اليوم أصعب من أي وقت مضى، وإن السنتين الماضية والحالية تعدان من أصعب السنوات على مدى العقود الأربعة الماضية".
خطوة مهمة أن يعترف الرئيس بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بلاده، لكن لم يرافق تشخيصه للحالة الصحية المتدهورة للاقتصاد الإيراني، وصفة علاجية صحيحة، وبدلا من البحث في الجذور لمعرفة الأسباب، كرر روحاني خطابه التقليدي المعتاد، طالبا من مواطنيه مزيدا من التضحية، لكن التضحية لم تطلب بالطبع إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، والمليارات القابض عليها، مستخدما إياها في كل عمل يدعم تخريب وإرهاب شعوب الشرق الأوسط وزعزعة استقراره، وفي المقابل يحرم الإيرانيين من تلك المليارات، ولم يستطع روحاني أيضا على توجيه خطابه إلى قادة الحرس الثوري، بضرورة وقف عمليات النهب المتواصل منذ 40 سنة لثروات الإيرانيين تحت مسمى الدفاع عن الأمن القومي.
خطاب روحاني بتوصيف الأزمة، والابتعاد عن الدواء يكشف عن آمال واهية للقيادة الإيرانية بالصمود ولو قليلا أمام تسونامي الانهيار الاقتصادي المقبل، على أمل أن يصل إلى سدة البيت الأبيض عام 2020 رئيس أكثر لينا من ترمب، وإدارة أكثر ودا من إدارته يمكن التفاوض معها.
ويقـــــــــــــــول لـ"الاقتصادية"، علي جواد المختص الاقتصادي الإيراني، "بكل المعايير إيران في حالة طوارئ مالية، ففي الفترة الأخيرة زاد الضغط عليها مع انتهاء الاستثناءات الأمريكية التي سمحت للدول الأخرى بشراء النفط الإيراني، كما أن إرسال السفن الحربية والقاذفات إلى الخليج، يدفع إيران إلى الرد، وهي بذلك تستنزف الاحتياطي المالي، وإعلان الحرس الثوري منظمة ارهابية يضعف إلى حد كبير شبكة تعاونه مع البلدان الأخرى، والأكثر خطورة فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على صادرات إيران من الصلب والألمنيوم والحديد والنحاس، وهذا القطاع بمفرده يمثل 10 في المائة من إجمالي الصادرات".
في ظل تلك الأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءا يوما بعد آخر، أصدر البنك الدولي وصندوق النقد تقارير جديدة بشأن الاقتصاد الإيراني، تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي أسوأ مما توقعوه أخيرا، وبينما يتوقع البنك الدولي أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 3.8 في المائة هذا العام، يقفز صندوق النقد بتلك النسبة لتصل إلى 6 في المائة.
التشاؤم حول مستقبل المؤشرات الاقتصادية الإيرانية طال تقريبا جميع المؤشرات الرئيسة بلا استثناء، فمعدل البطالة سيرتفع من 13.9 في المائة العام الماضي إلى 15.4 في المائة هذا العام، وإلى 16.1 في المائة العام المقبل، أما التضخم فسيقفز من 31.2 في المائة العام الماضي إلى 37.2 في المائة العام الجاري إلى 31 في المائة العام المقبل، ومن بين جميع اقتصادات الشرق الأوسط يتوقع البنك الدولي أن يكون الانكماش من نصيب الاقتصاد الإيراني وحده هذا العام.
ويوضح لـ"الاقتصادية"، الدكتور فريهاد علي شيرازي المختص الاقتصادي أن "الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإيرانية من أجل خفض تأثير العقوبات إلى أدنى حد لا يحتمل أن تنجح، لأنها لا تعالج أيا من المشكلات الهيكلية الرئيسة التي يعانيها الاقتصاد. فهي تتبنى سياسات اقتصادية غير فاعلة لسد الفجوات الاقتصادية، فتخليها عن وعدها بتوفير خدمات اجتماعية، وهذا جوهر العقد الاجتماعي، لما بعد الإطاحة بنظام الشاه، قد يجعل النظام بأكمله في محل خطر".
ويواصل شيرازي قائلا "مشروع الميزانية افترض بيع 1.5 مليون برميل يوميا بسعر 54 دولارا، وبالتالي بلغت الميزانية نحو 47 مليار دولار وفقا لأسعار الصرف غير الرسمية، و33 في المائة منها يأتي من النفط، الآن قطاع النفط وقبل الغاء الإعفاءات تقلص ما بين 26 إلى 31 في المائة، ومن ثم صناعة النفط باتت على أعتاب الركود التام، وحتى إذا فشلت واشنطن في الوصول بالصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر، فإن المبيعات ستنهار والفجوة المالية ستتضخم، وسيقفز معدل التضخم على السلع الاستهلاكية من 40 إلى 60 في المائة في الوقت الحالي إلى أرقام غير مسبوقة".
وبالطبع تسعى الحكومة إلى تفادي أي شكل من أشكال الاضطرابات والقلاقل الاجتماعية، لكن سعيها ذلك يدفعها إلى تبني سياسات لن تفلح في مواصلة العمل بها، ما يجعل الانهيار واقعا لا محالة.
البروفيسور آر. دي ديفيد أستاذ الاقتصاد السياسي، "زادت النفقات في الميزانية 16 في المائة للحفاظ على البرامج الاجتماعية، وتم رفع مرتبات الموظفين لمواجهة التضخم وتفادي الإضرابات، وتم تخصيص 14 مليارا للمحافظة على توفير أسعار منتجات غذائية ودوائية بأسعار منخفضة، وتدفع الحكومة القطاع الزراعي إلى القبول ببيع المحصول بأسعار متدنية، لتوفير المواد الغذائية لسكان المدن، وحاليا نصف الميزانية يتمثل في إعانات سنوية للبرامج الاجتماعية".
ويستدرك ديفيد، قائلا "لن تستطيع أي حكومة في مثل تلك الأوضاع مواصلة العمل بتلك السياسات، وإذا تواصل الضغط على طهران فإن الانفجار المجتمعي واقع لا محالة، وهو ما سيضع الشعب في مواجهة مباشرة مع آلية القمع الحكومي خاصة الحرس الثوري وقادته".
على أي حال فشلت السلطات الإيرانية في تقديم 20 في المائة من القروض التي وعدت بها صناعة السيارات ومنتجي قطع الغيار، وألغت برنامجا يزود منتجي الخبز بدقيق القمح الرخيص، وأخفقت سياستها حتى الآن في السيطرة على الأسعار، بل وأدت تلك السياسات إلى نتائج عكسية، بتثبيط المنتجين المحليين ومنعهم من التوسع في الإنتاج نظرا إلى ارتفاع أسعار المواد الخام، نتيجة انخفاض قيمة العملة الإيرانية بنحو 100 العام الماضي، وانخفاض هوامش الربح نتيجة العجز عن التصدير إلى الخارج نتيجة المقاطعة الدولية، كما أن حظر تصدير بعض أنواع الفاكهة والسكر والدواجن أدى إلى زيادة عمليات التهريب.
علي جواد المختص الاقتصادي الإيراني يحمل المأساة الإيرانية إلى نظام الملالي وتمسكه بأيديولوجيات وبآلية عفا عليها الدهر.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أن "النظام يحاول التصدي للنتائج ويتجنب البحث في الأسباب، ويرفض إجراء إصلاحات هيكلية لانها تمس النظام والتراتبية الداخلية لمراكز صنع القرار، وتقلص من المخصصات المالية التي يتمتع بها قادته، فتلك الامتيازات الممنوحة لكبار رجال الدين وقادة الحرس الثوري ابتلعت الموارد المالية لمصلحة فئة محدودة ازدادت ثراء بدلا من أن تسهم في النهوض بالمستوى المعيش للإيرانيين".
لكن، ألا يمكن لأوروبا التي لا ترحب كثيرا بالعقوبات الأمريكية أن تقدم يد المعونة إلى الإيرانيين من خلال ما يعرف بنظام الآلية المالية الأوروبية "إنستكس".
ديفيد كوبر الباحث الاقتصادي يشير إلى أن الآلية محاولة ألمانية فرنسية بريطانية للالتفاف على العقوبات الأمريكية، عبر آلية مالية خاصة للتعاملات المالية والتجارية مع إيران، بهدف تيسير التعاملات بين الاقتصاد الأوروبي ونظيره الإيراني.
وحول مدى جدوى تلك الآلية، يعتقد ديفيد كوبر، أنها فشلت قبل أن تبدأ، ولا يتحمل الأوروبيون فقط أسباب الفشل، إنما تتحمل إيران جزءا كبيرا من الإخفاق، إضافة إلى جوانب القصور في الهيكل التنفيذي لتلك الآلية ذاتها.
ويواصل قائلا "حجر الزاوية في تلك الآلية يقوم على أساس مساعدة الشركات الأوروبية التي لديها مصالح تجارية مع إيران، على مواصلة نشاطها، وأن تتفادى في الوقت ذاته العقوبات الأمريكية".
وإذا كانت "إنستكس" مسجلة في فرنسا وسيرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لـ"كومرس بنك"، فإنها لا تضم جميع الدول الأوروبية، وهو ما يعده ديفيد أحد أبرز جوانب القصور فيها، لأن درجة تشابك الاقتصاد الأوروبي ستعوق عمليا حتى في المراحل الأولى أن تقتصر تلك الآلية على الدول الثلاث.
وربما يعد السبب الرئيس في فشل تلك الآلية، هو اختلاف مفهوم الأوروبيين والإيرانيين بشأنها، فالأوروبيون يعدونها وسيلة لمقايضة النفط الإيراني بالغذاء والدواء الأوروبي، وفي المرحلة الأولى منها ستركز على جوانب تجارية لا تغضب الإدارة الأمريكية، كالمنتجات المستخدمة للأغراض الإنسانية والأغذية، وهي على العموم لا تخضع للعقوبات الأمريكية، لكن وجهة نظر الإيرانيين مختلفة، لأنهم يريدونها وسيلة لكسر هيمنة الدولار، والحصول على مدفوعات نقدية باليورو من الأوروبيين للشراء من السوق الحرة من بلدان أخرى.
وتابع كوبر: «على أي حال وفي أفضل الظروف، لن تؤتي الآلية الأوروبية كثيرا من الثمر، وهو ما يعود بنا مرة أخرى إلى تحذيرات الرئيس روحاني بأن بلاده تواجه أوقاتا اقتصادية صعبة تشبه سنوات الحرب العراقية، لكن ما لا يجب أن ينساه قادة طهران أن الحرب الإيرانية انتهت بعد ثماني سنوات من الاقتتال الدامي، عندما قبل الخميني باتفاق وقف إطلاق النار، متجرعا الكأس المسمومة، على حد قوله، وهو ما يبدو أن رفيق دربه وخليفته علي خامنئي يسير في طريق تلك النهاية ذاتها».

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية