أخبار اقتصادية- محلية

خبراء "صندوق النقد": إصلاحات الاقتصاد السعودي تحقق نتائج ايجابية ونمو في مستوى الشفافية المالية 

وصف البيان الختامي الاستنتاجات المبدئية التي خلص لها خبراء الصندوق في ختام زيارة للمملكة كجزء من المناقشات بشأن البرامج التي يتابعها خبراء الصندوق، أو في إطار ما يجريه الخبراء من عمليات متابعة أخرى للتطورات الاقتصادية، إلا أن الإصلاحات الاقتصادية في المملكة تحقق نتائج إيجابية. 
وقال الصندوق "انتعش النمو غير النفطي، وزادت مشاركة النساء في سوق العمل وارتفعت مستويات التوظيف، كما ساهم التطبيق الناجح لضريبة القيمة المضافة في زيادة الإيرادات غير النفطية، وساعدت تصحيح أسعار الطاقة في خفض استهلاك الفرد من البنزين والكهرباء، واستُحْدِثت إجراءات لتعويض الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط عن ارتفاع التكاليف المترتبة على الإصلاحات المطبقة، وزادت شفافية المالية العامة. وهناك تقدم جيد في إصلاحات الأسواق المالية، والإطار القانوني، وبيئة الأعمال. إلا أن ثمة تحديات قائمة. فقد زاد الإنفاق الحكومي، وهو ما ساهم في دعم النمو الاقتصادي لكنه يؤدي أيضا إلى زيادة تعرض المالية العامة على المدى المتوسط لمخاطر التأثر بانخفاض أسعار النفط. وللحد من هذه المخاطر، هناك حاجة للضبط المالي. وبشكل أعم، لا يزال للقطاع الحكومي أثر كبير على الاقتصاد. ولا تزال البطالة مرتفعة بين المواطنين. ويمثل خلق الوظائف أحد التحديات الأساسية التي حددتها برامج الحكومة الإصلاحية. ولتحقيق اقتصاد متنوع ومنتج وتنافسي، ينبغي أن تعمل الإصلاحات على زيادة قدرة المواطنين على المنافسة للحصول على وظائف في القطاع الخاص، ورفع مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة التمويل المتاح للشركات الصغيرة والناشئة".

تعافي الاقتصاد غير النفطي
تحسنت نتائج الاقتصاد في عام 2018. فقد سجل إجمالي الناتج المحلي الحقيقي نموا بنسبة 2,2% عقب انكماشه في عام 2017. وارتفع إجمالي الناتج المحلي النفطي الحقيقي بنسبة 2,8% (مقابل انخفاض بنسبة 3,1% في 2017)، بينما ارتفع إجمالي الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 2,1% (مقابل ارتفاع بنسبة 1,3% في 2017). وارتفع الإنفاق الحكومي، ولكن يبدو أن خروج العاملين الوافدين وأسرهم أدى إلى كبح وتيرة ارتفاع النمو. وارتفع التضخم في الرقم القياسي لأسعار المستهلك مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة وزيادة أسعار الطاقة في يناير 2018، ولكنه تراجع مع انخفاض إيجارات المساكن. وانخفض الرقم القياسي لأسعار المستهلك بنسبة 2,1% (على أساس سنوي) في مارس 2019.
ويُتوقع أن يتسارع النمو الاقتصادي غير النفطي الحقيقي إلى نسبة 2,9% في عام 2019. فقد كانت المؤشرات الاقتصادية الشهرية إيجابية في الآونة الأخيرة، وهناك تحسن في مستوى الثقة مع ارتفاع أسعار النفط منذ بداية العام. ويصعب حاليا تقييم التطورات المستقبلية في سوق النفط نظرا لعدم اليقين بشأن حجم الإنتاج في بعض البلدان المصدِّرة الأساسية. وبافتراض استمرار المملكة في إنتاج النفط خلال النصف الثاني من عام 2019 حسب المستوى المتفق عليه بموجب اتفاقية "أوبك+" الحالية، فإنه يُتوقع أن يصل نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي الحقيقي إلى نسبة 0,7% في 2019، بينما يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الكلي 1,9%.[1] وفي حال زادت المملكة إنتاجها من النفط، فإن ذلك سيرفع نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي (وكذلك الصادرات النفطية والإيرادات الحكومية). وعلى المدى المتوسط، تتوقع بعثة خبراء الصندوق ارتفاع النمو الاقتصادي غير النفطي إلى نسبة تتراوح بين 3% و 3,25% تقريبا مع ظهور ثمار الإصلاحات الاقتصادية الجارية، كما يتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الكلي ليستقر عند مستوى 2,5% تقريبا.
زيادة الإنفاق الحكومي دعَّمت النمو وتنفيذ الإصلاحات، ولكنها تزيد من المخاطر المالية على المدى المتوسط
تراجع عجز الميزانية في عام 2018 إلى 5,9% من إجمالي الناتج المحلي. وزاد العجز الأولي غير المرتبط بالصادرات النفطية (NEOPD) – وهو مقياس مركز المالية العامة الذي يفضله فريق البعثة لأنه يركز على ما يقع تحت سيطرة الحكومة بشكل مباشر ولا يتأثر بتقلب إيرادات النفط – من 38,5% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في 2017 إلى 39,5% في عام 2018. وحققت الإيرادات النفطية وغير النفطية ارتفاعا كبيرا في عام 2018، كما حدث ارتفاع كبير في الإنفاق الحكومي. وبالرغم من فائض الميزانية المحقق في الربع الأول من العام، فإن الفريق يتوقع ارتفاع عجز الميزانية إلى 7% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2019. وفي ضوء السياسات الحالية والمسار الضمني لسعر النفط الحالي في الأسواق المالية (57 دولارا أمريكيا للبرميل في عام 2024)، لا يُتوقع انخفاض عجز الميزانية الكلي على المدى المتوسط عن مستواه المتوقع هذا العام. ومن المتوقع أن يتراجع العجز الأولي غير المرتبط بالصادرات النفطية (NEOPD) إلى 29,4% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في عام 2024 مع تنفيذ الإجراءات المالية المعلنة.
وأدى عجز الميزانية في السنوات الأخيرة إلى تراجع الهوامش المالية الحكومية. ففي نهاية عام 2018، بلغت نسبة دين الحكومة المركزية من إجمالي الناتج المحلي 19,1%، كما بلغت نسبة صافي الأصول المالية لدى الحكومة المركزية من إجمالي الناتج المحلي 0,1% (وهي النسبة التي تعرَّف بأنها قيمة الودائع الحكومية لدى البنك المركزي ناقص إجمالي الدين). ورغم أن هاتين النسبتين تعتبران جيدتين للغاية من المنظور العالمي، فقد كانت الأولى أقل من 2% بينما بلغت الثانية حوالي 50% من إجمالي الناتج المحلي، في نهاية عام 2014.
وهنالك حاجة لاستعادة زخم الضبط المالي للحد من هذه المخاطر على المدى المتوسط. ويتفهم فريق البعثة رغبة الحكومة في دعم النمو الاقتصادي وتسريع تطبيق برامج الحكومة الإصلاحية ضمن إطار "رؤية المملكة 2030" من خلال زيادة الإنفاق، ولكنه يرى أن سياسة المالية العامة ينبغي أن تحقق التوازن المناسب بين استدامة المالية العامة، والإنفاق الاجتماعي، والتنمية. وفي حالة تراجع أسعار النفط عن مستواها المفترض في الميزانية، ستواجه المملكة عجزا كبيرا في الميزانية إذا لم تخفض الإنفاق، لكن ذلك سيحدث في ظل هوامش مالية أضعف بكثير مما كان عليه الحال في عام 2014.
وسيتطلب تحقيق مستهدفات المالية العامة المخطط لها تنفيذ الإصلاحات والمبادرات المعتمدة في "برنامج تحقيق التوازن المالي" وتحديد إجراءات إضافية للمالية العامة. فينبغي المضي في تطبيق إصلاحات أسعار الطاقة والمياه، مع تعويض الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط من خلال برنامج "حساب المواطن"، بالإضافة إلى ذلك، فإن تخفيض فاتورة الأجور الحكومية، والتركيز على زيادة الإنفاق الرأسمالي بصورة ممنهجة، وتوجيه المنافع الاجتماعية بدقة أكبر إلى الفئات المستحقة، ستؤدي جميعها إلى تحقيق وفورات في المالية العامة. وقد تم تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنجاح كبير، وينبغي النظر، بالتشاور مع دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي، في رفع معدل ضريبة القيمة المضافة البالغ 5% حاليا، وهو معدل يعد منخفضا مقارنة بالمعايير العالمية.
ويجب الاستمرار في تحسين إدارة الإنفاق الحكومي وشفافية المالية العامة. وقد تم تنفيذ إصلاحات مهمة بهدف تقوية عملية إعداد الميزانية العامة للدولة، وتطوير إطار متوسط الأجل للمالية العامة، واستحداث نظام أتمتة لإدارة النفقات ("اعتماد")، وتقوية التحليل المالي، ونشر مزيد من المعلومات والبيانات للعموم بشأن تفاصيل الميزانية. ومن المنتظر أن يساهم قانون المشتريات الحكومية الجديد، الذي ينبغي أن يغطي جميع المشتريات الممولة من موارد الميزانية، في تحسين والإنفاق وتحسين كفاءته والمساعدة في الحد من مخاطر الفساد المحتملة في المشتريات الحكومية. غير أن الإنفاق زاد مع ارتفاع أسعار النفط خلال العامين الماضيين. ويجب أن يكون إطار المالية العامة وعمليات إدارة المصروفات قادرين على الحفاظ على مستوى من الإنفاق يمكن تحمله مع اختلاف مستويات أسعار النفط، وإلا فسيتعين على الحكومة إجراء تعديلات كبيرة في مستويات الإنفاق خلال فترات انخفاض أسعار النفط، مما يؤدي إلى تقلبات في النمو.
لا يزال تشجيع النمو الاقتصادي غير النفطي وتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل من أهم التحديات

تعكف الحكومة على تنفيذ إصلاحات ومبادرات طموحة لتنمية الاقتصاد غير النفطي ضمن إطار "برامج تحقيق رؤية المملكة 2030". وتتركز هذه المبادرات حول تحسين مناخ ممارسة الأعمال في المملكة، واستحداث قطاعات اقتصادية جديدة أو توسيع القطاعات القائمة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع وتعميق الأسواق المالية، والاستثمار في رأس المال البشري من المواطنين السعوديين. ومن المهم تحديد أولويات الإصلاح بدقة لضمان نجاح تنفيذها.

وقد طبقت الحكومة إصلاحات مهمة لتقوية الإطار القانوني والحد من القيود التي تعيق ممارسة الأعمال. وساهم قانونا الإفلاس والرهن التجاري في سد فجوات مهمة في الإطار القانوني، بينما يُتوقع أن تساعد الجهود المبذولة لتبسيط إجراءات بدء الأعمال وتخليص الحاويات في الموانئ على دعم تنمية الأعمال والنشاط التجاري. وفي الفترة المقبلة، ينبغي مراجعة متطلبات إصدار تراخيص الاستثمار الأجنبي المباشر كما هو مخطط له، وتسريع وتيرة برنامج الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص والذي بدأ بالفعل في تسريع إبرام الصفقات.

وينبغي أن تركز إصلاحات سوق العمل على أربعة مجالات لتشجيع المواطنين السعوديين على العمل في القطاع الخاص، وتشجيع الشركات على توظيفهم:
الحد من إتاحة العمل الحكومي وتقليل جاذبيته: ينبغي أن تعلن الحكومة بوضوح أن الوظائف الحكومية لن تزيد في المستقبل بحيث ينخفض الأجر الذي يمكن أن يقبل به العاملون نظير العمل في القطاع الخاص. وينبغي النظر مع مرور الوقت في كيفية الحد من جاذبية العمل في القطاع الحكومي وزيادة حوافز العمل في القطاع الخاص.
رفع مستوى التعليم والتدريب والتطوير الوظيفي: يتعين إجراء إصلاحات لتحسين نتائج التعليم وتزويد الطلاب بالمهارات المطلوبة في القطاع الخاص. وسيساعد في هذا الصدد تحديث برامج التدريب المهني الحالية والتعجيل بإصلاحات قطاع التعليم. وينبغي أن تقوم الشركات بدورها بإعطاء التطوير الوظيفي والمهني أولوية كبيرة في سياسات الموارد البشرية الخاصة بها.
زيادة حرية الحركة والتنقل للعمالة الوافدة من خلال إصلاح نظام التأشيرات: سيؤدي السماح للوافدين بالتنقل الحر بين الوظائف إلى زيادة أجورهم مع مرور الوقت، مما يحد من التفاوت في الأجور بينهم وبين المواطنين.
مواصلة زيادة مشاركة النساء في سوق العمل ورفع مستويات التوظيف: ينبغي مراجعة اللوائح التنظيمية لضمان عدم وجود معوقات أمام توظيف النساء. وينبغي النظر في وضع برامج لرائدات الأعمال في إطار المبادرات المعنية بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتوسع في البرامج الحالية حسب الحاجة لتغطية تكاليف المواصلات ورعاية الأطفال.
ويمكن لسياسات القطاعات الصناعية، كالتي يتضمنها "برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية"، أن تساعد في مواجهة إحجام الشركات الخاصة عن الدخول في قطاعات جديدة أو ذات مخاطر أعلى، مع ضرورة توخي الحذر في تنفيذ هذه السياسات. وقد تباينت تجارب البلدان في تنفيذ السياسات الصناعية. فكان دورها مهما في تنمية بعض البلدان، بينما أدت إلى الكثير من أوجه عدم الكفاءة في بلدان أخرى. وتشير الدروس المستمدة من تجارب البلدان الناجحة إلى أن هذه السياسات تحقق أفضل النتائج إذا تم توجيه الدعم الحكومي إلى القطاعات ذات الأولوية وليس إلى شركات بعينها، مع ربط هذا الدعم بإطار زمني محدد ومعايير أداء صارمة. كذلك يعد تطوير رأس المال البشري مطلبا ضروريا لتحقيق النجاح.

ومن المهم أن تكون الإصلاحات شاملة للجميع وأن تحظى الفئات الأقل دخلا بالحماية من أي آثار سلبية في هذا السياق. وقد بدأ تطبيق برنامج "حساب المواطن" في ديسمبر 2017، وساهم على نحو ملائم في حماية الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط من ارتفاع التكاليف الناتجة عن تطبيق ضريبة القيمة المضافة وتنفيذ تصحيح في أسعار الطاقة. وتعكف الحكومة حاليا أيضا على مراجعة برامج المساعدة الاجتماعية الحكومية لضمان توفيرها الدعم المالي الكافي للمحتاجين وتوجيهها بكفاءة إلى المستحقين. وينبغي أن تستند برامج المساعدة الاجتماعية الفعالة إلى خط فقر متفق عليه ومعلومات موثوقة بشأن توزيع الدخل.

تنمية القطاع المالي وشمولية خدماته سيدعمان النمو

تتمتع البنوك بالربحية والسيولة، كما تمتلك مستوى جيدا من رأس المال. ويتواصل نمو الإقراض العقاري بشكل مستمر وكبير بالرغم من تراجع أسعار العقارات في السنوات الأخيرة. وبالرغم من أن القروض العقارية لا تزال تمثل نسبة قليلة نسبيا من إجمالي القروض المصرفية، وأن المخاطر التي تتحملها البنوك تم تخفيضها من خلال تحويل الراتب وتقديم ضمانات حكومية على نسبة كبيرة من القروض الجديدة، فإن مؤسسة النقد العربي السعودي ينبغي أن تستمر في حرصها على مراقبة مستوى جودة الإقراض العقاري.

وقد حدث تقدم سريع في إصلاحات السوق المالية، وتُوِّجَت بإدراج المملكة في مؤشرات أسواق الأسهم والسندات العالمية. وسيساهم ذلك في زيادة التدفقات الوافدة إلى سوق الأسهم وتحقيق ارتفاع أكبر في الطلب على الدين. وقد تم تنفيذ عدد من الإصلاحات البارزة في سوق الدين المحلي، بما في ذلك وضع نظام للمتعاملين الأوليين، وتوسيع نطاق عائد السندات الحكومية ليشمل آجال الاستحقاق الطويلة. وسيساعد ذلك مع مرور الوقت في تنمية القطاع المالي وتعميق سوق الدين الخاص.

ويمثل تحسين الشمول المالي هدفا أساسيا من أهداف "برنامج تطوير القطاع المالي". فينبغي زيادة الخدمات المالية المتاحة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والنساء والشباب، مع ضرورة تجنب وضع أهداف إقراض لقطاعات معينة. ويمكن أن يؤدي تطوير نظام الوكالة المصرفية (حيث تنفذ المعاملات من خلال وكيل، مثل مكتب البريد) والتقنية المالية إلى المساعدة في توسيع قنوات الحصول على الخدمات المالية وزيادة المنافسة السوقية، ولا سيما في المناطق الواقعة خارج المدن الكبرى. ومع استمرار الإصلاحات، سيكون تحقيق التوازن الصحيح بين الابتكار والاستقرار تحديا أساسيا أمام الجهات التنظيمية للقطاع المالي.

ولا يزال ربط سعر الصرف بالدولار هو النظام الأنسب للمملكة، نظرا لهيكل اقتصادها وطبيعته. ولا تزال احتياطيات النقد الأجنبي لدى مؤسسة النقد العربي السعودي عند مستويات جيدة للغاية.
 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية