متى نرى توطينا كاملا للمكاتب العقارية؟

|

حملت بكل تأكيد مسودة مشروع نظام الوساطة العقارية الجديد كثيرا من الأمل والتفاؤل نحو تنظيم نشاط اقتصادي بالغ الأهمية، مضى على صدور أول وآخر تنظيم يتعلق به نحو 42 عاما، أثبت كثير من المحطات السابقة من عمر السوق العقارية المحلية، تصاعد الحاجة الماسة إلى ضرورة تحديثها وإعادة تنظيمها وفق ما تتطلبه احتياجات السوق، إلا أن أيا من هذه التطلعات لم يحدث طوال تلك العقود الزمنية الماضية، ما سمح مع الأسف بتدفق كثير جدا من الممارسات المخالفة التي كان لها آثار سلبية على واقع السوق العقارية المحلية، وتجاوزت تبعاتها العكسية نتيجة تأخر معالجتها كما يجب حدود السوق، وصولا إلى مقدرات البلاد والعباد ملحقة بها أضرارا واسعة جدا.
يستند ذلك التفاؤل بما تضمنه التقرير المنشور في صحيفة "الاقتصادية" بالأمس حول تلك المسودة وما أشارت إليه بخصوص المخالفات التي ستقوم الهيئة العامة للعقار بناء عليها بإحالة المكاتب العقارية المخالفة إلى النيابة العامة والمحاكم المختصة، لإيقاع الأحكام القضائية عليها، حتى صدور تلك الأحكام سيحق للهيئة إصدار قرار بتعليق العمل بالترخيص الممنوح لتلك المكاتب وفرض الغرامات المالية المنصوص عليها. فوفقا لمسودة مشروع النظام تحددت سبع حالات للمخالفات التي يتجه النظام إلى محاربتها والمحاسبة عليها، جاءت على النحو الآتي: (1) تقديم معلومات مضللة أو إخفاء معلومات جوهرية بشأن العقار محل الوساطة عند ممارسته نشاط الوساطة العقارية. (2) من يمارس نشاط الوساطة العقاري أو يقدم الخدمات العقارية دون ترخيص. (3) على كل من قدم معلومات غير صحيحة للحصول على ترخيص وفقا لأحكام النظام. (4) كل مسوق عقاري اتفق على عمولة تتجاوز الحد الأعلى. (5) تشغيل الوسيط العقاري لعاملين في نشاط الوساطة أو في الخدمات العقارية غير مؤهلين وفقا بما تحدده اللائحة. (6) كل مسوق عقاري أخفى أموال المتعاملين التي تسلمها نيابة عنهم. (7) كل من ارتكب أي تصرفات تنطوي على احتيال أو غش في البيع في المزاد العقاري.
لطالما كانت هذه المخالفات قائمة بوجهها الشرس طوال عقود زمنية مضت، وطالما وقفت خلف تغذية عديد من التشوهات التي كانت كامنة في أحشاء السوق العقارية، وكثيرٌ منها ما زال قائما، وينتظر سقوطه وتعافي السوق منها، في ظل التحديثات والإصلاحات الراهنة الجاري العمل عليها المتعلقة بالسوق العقارية المحلية. يمكن القول باختصار شديد عنها؛ إن الجميع دون استثناء قد دفع ثمنا باهظا لاهتراء أوضاع مكاتب الوساطة العقارية طوال العقود الماضية، بدءا من المستثمرين والعاملين وصولا إلى مجتمع المستفيدين والمستهلكين من المواطنين على حد سواء، وتسبب كل هذا في زيادة التحديات التنموية الجسيمة على كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع.
إنما أركز حديثي هنا حول أحد أثقل جوانب المخالفات التي تشبعت بها مكاتب الوساطة العقارية، ووقفت خلف استدامة وتنامي تشوهات السوق العقارية المحلية، ممثلا في اتساع سيطرة وتحكم العمالة الوافدة على تلك المكاتب. امتدت آثاره السلبية إلى نشاطي الإيجار والبيع دون استثناء، ضمن السيطرة الواسعة للعمالة الوافدة على نشاطات تلك المكاتب العقارية، وتطورها مع الإهمال طوال سنوات طويلة إلى ما يشبه الكارتل التجاري واسع النطاق في أغلب أحياء المدن والمحافظات.
أوصلت تلك السيطرة الشاملة للعمالة الوافدة على المكاتب العقارية أن أصبحت تلك المكاتب ونشاطها أقرب إلى "الصندوق الأسود"، تمكنت داخله العمالة الوافدة من بناء شبكات العلاقات والتنسيق والنفوذ فيما بينها، تتشكل من مستويين رئيسين: المستوى الأول ممثلا في دائرة التنسيق والسيطرة على أكبر حصة من السوق العقارية حسب "جنسية" أقطاب تلك الدائرة. تنتقل إذا تطلب الأمر وفق "أعراف سوقية محددة" إلى المستوى الثاني، تلك "الأعراف" التي استغرق تشكلها والاتفاق عليها والعمل بها سنوات عديدة، سمح بتكونها وسيطرتها حتى أصبحت قوة نافذة لا يشق لها جدار، حدث كل ذلك في غياب شبه تام للإشراف والرقابة والتفتيش والمتابعة والتدقيق وبقية الإجراءات النظامية اللازمة عليها. 
أما المستوى الثاني: فتمثل في قيام علاقات أوسع وأكبر بين عدة دوائر من جنسيات مختلفة، تستهدف بالطبع حماية الحصص السوقية المسيطر عليها من قبل كل دائرة على حدة، وتسوية المستحقات المالية فيما بينها، من خلال تبادل المعلومات والمنافع وتلبية احتياجات المستأجرين والمشترين على حد سواء، وهي الأدوار والمهام ذاتها التي تتم تحت سقف المستوى الأول، إلا أنها تتم في هذه الحالة على نطاق أوسع يجمع فرقاء في الجنسية. وكما يبدو مما تقدم من مخالفات وممارسات غير مشروعة، أنه ما يشبه إلى حد كبير جدا حوضا واسعا، ضم في جنباته جميع المخالفات التي استهدف النظام الجديد محاربتها والعمل على القضاء عليها. لقد استفادت العمالة الوافدة كثيرا من عدد من الأسباب والتشوهات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من سيطرة شبه كاملة على أنشطة المكاتب العقارية، بوأتها تلك السيطرة والنفوذ الكبيرين للمساهمة بصورة أكبر في زيادة تعقيدات الأزمة العقارية والإسكانية لدينا، كان من أخطر تلك الأدوار التي قامت بها: (1) الزيادة غير المبررة في الأسعار، سواء أسعار الأصول العقارية باختلاف أنواعها، أو على مستوى تكلفة الإيجارات سكنيا أو تجاريا. (2) محاربتها وطردها للمستثمرين والعاملين من المواطنين في مكاتب الوساطة العقارية. 
كل ذلك؛ أدى بدوره لحدوث كثير من المساوئ والآفات، بدءا من إغلاق الخيارات على المستفيدين والمستهلكين على حد سواء، والتحكم المفرط دون قيد أو شرط في أسعار البيع والشراء والإيجارات، ولا عجب فكلما ارتفعت الأسعار والإيجارات، زادت بكل تأكيد الغلة الثمينة من السمسرة والوساطة وتطور في الوقت ذاته دور تلك المكاتب العقارية من مجرد الوساطة العقارية، إلى لعب دور أكبر من ذلك بكثير تمثل فيما يشبه دور "صانع سوق"، انحصرت مهمته الرئيسة هنا فقط على دفع الأسعار والإيجارات للارتفاع الزاحف دون النظر إلى أي اعتبارات أو ظروف اقتصادية ومالية محيطة، وهو الخلل الذي لم يكن بالإمكان التغاضي عنه بأي حال من الأحوال، ويؤمل أن يكون اجتثاثه من أحشاء السوق العقارية المحلية أولى مهام الهيئة العامة للعقار، وأن تعمل بالتعاون والتنسيق المباشر مع وزارة العمل على توطين نشاط مكاتب الوساطة العقارية المحلية، ولما يمثله هذا الإجراء المأمول على وجه السرعة، من أهمية قصوى على مستوى سرعة تنظيم وإصلاح السوق العقارية المحلية، ومن جانب آخر لما يمثله من توفير فرص استثمار وعمل كريمة ومجزية للمواطنين والمواطنات على حد سواء. والله ولي التوفيق.

إنشرها