FINANCIAL TIMES

وأد حلم إنشاء بطل مصرفي ألماني في المهد

كان بول أكلايتنر يفعل ما يجيد فعله في "دافوس". كالعادة، كان رئيس مجلس إدارة "دويتشه بنك" لطيفا يتجول في الأروقة وفي الممر الرئيس لمنتجع التزلج السويسري، حيث كان يتبادل الأحاديث حول ما يدور ويستطلع إمكانية عقد الصفقات المميزة. على أنه في كانون الثاني (يناير) الماضي، كانت لديه مهمة خاصة.
بعد أن عمل وراء الكواليس لعدة أشهر لإقناع السياسيين والمساهمين بمزايا الاندماج مع منافسه المحلي "كوميرتس بنك"، كان يطنطن الآن بفوائد الصفقة بشكل مكشوف أكثر من قبل، وفقا لعدد من الأشخاص الذين التقوا هذا الشخص المهيب، في عالم التمويل الألماني، في المنتدى الاقتصادي العالمي.
عمله الشاق آتى أكله. بعد أن استطاع تأمين الدعم واسع النطاق للمحادثات الاستكشافية الآن، كان عليه فقط الانتظار.
في غضون أيام، تلقى رئيسه التنفيذي كريستيان سيونج مكالمة هاتفية من مارتن زيلكه، نظيره في "كوميرتس بنك"، قال فيه إن الوقت قد حان للتوصل إلى اتفاق لتوحيد أكبر مصرفين في ألمانيا.
هذه المحادثة بدأت ملحمة استمرت ثلاثة أشهر واستحوذت على فكر العالم المالي. كان من الممكن أن يؤدي هذا الاقتران الذي يطنطن له منذ فترة طويلة، إلى إنشاء عملاق مصرفي وهزة في قطاع البنوك الأوروبي المتهالك والمجزأ.
في حال إتمام الصفقة، كان سيكون لدى الكيان المدمج 1.8 تريليون يورو من الأصول،
و141 ألف موظف و30 مليون عميل ألماني.
كان "دويتشه" الاستثماري الذي يعاني الضعف قد خفض تكاليف تمويله العالية، ما أتاح لمصارف وول ستريت المنافسة القوية في وضع أفضل منه، للحصول على الصفقات بسبب أسعاره العالية.
كان من شأن الاندماج أن يساعد على وضع نهاية لفترة مروعة استمرت سبع سنوات بالنسبة للمصرفين، التي عملت على تلويثهما بالفضائح والتحقيقات التنظيمية والتغييرات الإدارية سيئة التنفيذ، التي أضعفت المركز المالي في ألمانيا.
بالنسبة إلى أكلايتنر، أحد أقوى مدافعي "دويتشه" الداخليين لمصلحة التوصل إلى اتفاق، كان الاندماج فرصة للخلاص الشخصي، بعد فترة عصيبة كان يتولى فيها السلطة. كانت مستويات الإدارة العليا في "كوميرتس بنك" حريصة بالمثل، حيث كانوا على وشك التخلي عن مجموعة أخرى من الأهداف المالية المتوسطة.
أدرك رئيس "دويتشه" أن أحلامه في تحقيق صفقة تاريخية لتحويل الصناعة المصرفية في ألمانيا قد تحطمت، عندما تشاور معه سيونج في منتصف الأسبوع الماضي، حول مخاوفه من أن تؤدي هذه الخطوة إلى نتائج عكسية.
بحلول صباح اليوم التالي، كانت الصفقة قد انتهت، تاركة المصرفين يتدافعان للعثور على خطة مقنعة بديلة. تحدثت "فاينانشيال تايمز" مع أكثر من 10 أشخاص معنيين لفهم كيف كان الفشل مصير صفقة، كان يبدو عليها أنها حتمية.

واجب التدخل

بحلول نهاية عام 2018، قرر وزير المالية الألماني أولاف شولز ونائبه - يورج كوكيس، المصرفي السابق في بنك جولدمان ساكس - أنه لم يعد بإمكانهما البقاء واقفين على الهامش.
كانت الحكومة الألمانية تملك 15 في المائة من "كوميرتس بنك" بعد خطة إنقاذ عام 2009.
هبط سعر سهم "دويتشه" إلى مستويات متدنية قياسية، بعد أن وجد نفسه في مواجهة سلسلة من الأمور التي عملت على إذلاله.
لقد اشتملت على غارة للشرطة على مقره، والكشف عن أعمال مقاصة لمبلغ 150 مليار دولار من الأموال المشبوهة المرتبطة بروسيا، لمصلحة وحدة بنك دانسكه في إستونيا، وأسئلة من الكونجرس الأمريكي.
توتر السوق كان صدى لما حدث في في أواخر عام 2016 عندما اهتز "دويتشه" نتيجة شائعات عن غرامة مالية محتملة ستفرضها السلطات الأمريكية عليه بقيمة 14 مليار دولار، قبل أن تستقر في نهاية المطاف على نصف ذلك المبلغ.
قال مسؤول حكومي قريب من مناقشات الاندماج: "في عام 2016، كنا نشعر بالخوف الشديد وكان سعر سهم المصرف 13 يورو - الآن أصبح السعر نصف ذلك"، مضيفا أنهم يشعرون الآن "بواجب" التدخل ودفع المصرفين لبدء المحادثات.
استلطاف يبشر بالخير

كان سيونج وزيلكه يعرفان بعضهما بعضا جيدا، بعد أن التقيا عدة مرات في صيف عام 2016، عندما نظر الجانبان لفترة قصيرة في عملية ارتباط للمصرفين.
وقال المقربون منهما إن هذين الألمانيين لديهما "استلطاف شخصي حقيقي" تعود جذوره إلى خلفياتهما المتشابهة.
كلاهما كان متدربا في "دويتشه بنك" وأمضيا فترات طويلة في العمل لدى شركات محلية.
منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي قبل عام، كرر سيونج إلى حد الإملال رغبته في "ترتيب منزلنا" قبل النظر في صفقة. وما أضعف نهجه كان سيلا مستمرا من التسريبات، حول المحادثات المحتملة وخسارة شديدة في الربع الرابع. بحلول أواخر شباط (فبراير) الماضي، طلب رئيس "دويتشه" من مجلس إدارته فتح قناة خلفية للتحادث مع "كوميرتس بنك". تسرب ذلك الخبر أيضًا، ما زاد الضغط على "دويتشه" للتصرف.

6 أسابيع من الأرق

أُعلِنت المناقشات الرسمية في منتصف نهار أحد أيام الأحد في آذار (مارس) الماضي. تم إنشاء نحو 20 مجموعة تتولى إجراءات العناية الواجبة لدراسة المشكلات الناشئة، من تآزر الخدمات المصرفية للأفراد إلى تداخل عملاء الشركات، والمسائل الضريبية، والآثار المحاسبية واحتياجات رأس المال.
أفادت "فاينانشيال تايمز" عن حسابات داخلية تُظهر أن "دويتشه" قد يحتاج إلى جمع ما يصل إلى عشرة مليارات يورو من رأس المال، والاستغناء عن خدمات 30 ألف شخص كي تنجح الصفقة. حشدت النقابات المتصلبة احتجاجات في الشوارع وضغطت على السياسيين في برلين. لشعوره بالخوف الشديد من التسريبات، قصر "دويتشه" فريقه على مجموعة متماسكة بقيادة سيونج. ومثّل المصرف جيمس فون مولتكه، كبير الإداريين الماليين، وفلوريان درينهاوزن، المحامي العام للشركة، وجيمس روان، رئيس عمليات الاندماج والاستحواذ في الشركة، وألكس فون زور مولين، رئيس الاستراتيجية، وفرانك كوهنكه كبير الإداريين التشغيليين، الملقب بالدبابة -سمي بهذا الاسم بسبب أسلوبه "القوي" في التواصل.
فون زور مولين الذي يزيد طوله على المترين وهو أحد المقربين من سيونج "كان الرجل الذي حافظ على تماسك المجموعة في الواقع"، وذلك وفقًا لما ذكره أحد الأشخاص المعنيين. من جانب "كوميرتس بنك"، حصل زيلكه على دعم ستيفان إنجلز، كبير الاداريين الماليين، ويورج هيسنمولر، رئيس الاستراتيجية، وجونتر هوجر، المحامي العام للشركة، وكارستن شميت، المصرفي الاستثماري.
اجتمعت الفرق في مجموعة متنوعة من الأماكن في فرانكفورت ابتداء من مقر المصرفين، في ناطحة سحاب لكل منهما إلى مكاتب محاميهم ومستشاريهم. كانت مكاتب روتشيلد التي تبعد مسافة قصيرة سيراً على الأقدام بالنسبة للجانبين وتقع على بعد مقطع سكني واحد جنوب بورصة المدينة موقعًا مفضلاً. كذلك كان سيونج وزيلكه يعقدان اجتماعات فردية في أيام الآحاد، كي يتجنبا المقاطعات المستمرة من التابعين.
حقيقة أن فرق التفاوض أمضت ستة أسابيع في المحادثات تدل على مدى جدية هذه الصفقة، وذلك وفقًا لأحد التنفيذيين المعنيين.
وقال المسؤول التنفيذي: "لو أن هذا كان أمرا بيِّناً، بالأبيض والأسود، لكنا قد انتهينا منه قبل بضعة أسابيع. كانت الأمور شفافة وتعاونية للغاية".
المحادثات واجهت عددا من العقبات. ظهر أحد العوائق حول ما يتعين وصول "كوميرتس بنك" وأحد مستشاريه الرئيسين، بنك جولدمان ساكس للاطلاع على الأعمال الداخلية في المصرف الاستثماري التابع لـ"دويتشه".
قال أحد الأشخاص المعنيين مباشرة إن "دويتشه" كان يخشى أن يستخدم "جولدمان ساكس"، منافِسه في "وول ستريت"، موقعه المتميز للحصول على ميزة تنافسية. برر المديرون تكتيكات الحجب التي اتخذوها بقولهم "سنشتري كوميرتس بنك ومن الواضح أننا سنحتفظ بمصرفنا الاستثماري؛ وسنغلق 100 في المائة من أعمالهم".

اللعبة النهائية

بحلول 24 نيسان (أبريل) الماضي كان من الواضح أن المحادثات باتت متعثرة. غادر سيونج بالكاد مكتبه صادف عيد ميلاده الـ49 حيث كان يدقق في جداول بيانات غامضة لرياضيات الاندماج والمناقشة مع دائرته الداخلية. من أجل الحصول على المشورة، لجأ إلى الرأس المسؤول عن الصفقة، أكلايتنر الذي ظل حتى الآن محايدا بشأن نتائج المحادثات. بحلول المساء قرر سيونج الانسحاب. لخصت شخصية مدير المخاطر الحذر الموجود بداخله إلى أن المآزق الخاصة بالمعاملات، كانت كثيرة فوق الحد وأن العوائد غامضة للغاية. عزز أداء الربع الأول الذي فاق توقعات المحللين ثقته في فرص "دويتشه" كمصرف مستقل، وكان يعلم أن لديه خيارات أخرى، مثل المحادثات لدمج قسم إدارة الأصول في المصرف مع قسم مماثل في بنك يو بي إس السويسري.
في 25 نيسان (أبريل) الماضي، التقى الرئيسان التنفيذيان ورئيسا مجلس الإدارة حول وجبة إفطار ألمانية، في الجزء العلوي من برج "كوميرتس بنك". قلة من الحضور كان لديهم الرغبة في تناول الطعام.
أنبأهم سيونج بالخبر وشرح منطقه واتفق الجانبان على تقديم الانفصال كقرار متبادل.
في الساعة 10:34 صباحا، أصدر كلا المصرفين بيانين متطابقين ألقيا فيهما باللوم على "مخاطر التنفيذ وتكاليف إعادة الهيكلة ومتطلبات رأس المال".
في معظم السيناريوهات التي تنتجها فرق الصفقات كان على المصرف الموسع أن يجمع ما بين ستة وثمانية مليارات يورو من رأس المال الإضافي، فيما ظل التوقع أن يوفر عائدا أقل من 10 في المائة، على حد قول شخص يعمل في الصفقة.
كان هناك عامل حاسم في الشك حول "سوء النية" –الحسم الذي كان يتم به تداول "كوميرتس بنك" نسبة إلى قيمة أصوله الصافية– الذي يمكن استخدامه لدعم رأس المال. وقال أحد كبار المسؤولين في الجهاز التنظيمي: "إلغاء الاندماج لم يكن قرارا استراتيجيا. الأمر ببساطة أنه لم تكن لديهم قدرة على تحمُّل تكاليف الصفقة".
وأضاف: "بدون التأثيرات المحاسبية والضريبية التي كانت ستنجم عن المعاملة لمرة واحدة، تراكمت المشكلات في الصفقة"، مضيفا أن "ما يدعو إلى القلق أن ... كلا المصرفين، لا يملكان قوة مالية كافية لتحقيق عملية اندماج منطقية". يعترض "دويتشه" على فكرة أنه كان يفتقر إلى القوة الكافية للقيام بالصفقة.

ماذا بعد؟

قال «دويتشه» إنه «سيستمر في مراجعة جميع البدائل لتحسين الربحية طويلة الأجل وعوائد المساهمين». في مقابلة مع «فاينانشيال تايمز» قال أكلايتنر إن مصرفه الاستثماري الخاسر ليس بحاجة إلى تغييرات واسعة استراتيجية أساسية. لقد كانت معنويات التنفيذيين مجهدة، بشكل خاص.
قال أحد التنفيذيين: "على الصعيد الشخصي كنت مدركا أن هذا سيكون عملا شاقا ومواصلة في طريق الشفاء لـ"دويتشه"، إلا أنه كانت هناك مفاجآت إيجابية أقل بكثير مما كنا نرجو".
بإمكان "كوميرتس بنك" من جانبه الآن تحويل انتباهه إلى اثنين من الخاطبين الآخرين "يونيكريديت" الإيطالي و"آي إن جي" الهولندي مع تراجع نفور الدولة الألمانية من شركة استحواذ أجنبية، بسبب عدم وجود شريك محلي. في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، قال الرئيس التنفيذي لبنك أوروبي منافس: "قبل أن تنتقل الحكومة إلى مستحوذ أجنبي لمصلحة كوميرتس بنك كان عليهم أن يظهروا أنهم على الأقل قد جربوا الحل الألماني. يبدو الآن كما لو أنه قد تم إفساح المجال أمام هذا المسار".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES