اكتتاب «أوبر» .. ومستقبل الأسواق

|


ستظل "أوبر" شركة مثيرة للجدل، يبدو أن هذا هو قدرها، ولم يكن الاكتتاب الناجح الذي تم في بورصة نيويورك NYSE وجمعت من خلاله الشركة أكثر من ثمانية مليارات دولار، استثناء من تلك الإثارة التي لم تزل الشركة توجدها أينما ظهرت ومنذ عشرة أعوام تقريبا في سان فرانسيسكو، ولقد كانت مثيرة وهي تمثل إحدى الشركات الناشئة التي تقدم مفهوما جديدا وثوريا في صور ومفهوم صناعة النقل في العالم، ثم كانت مثيرة وهي تجذب الاستثمارات العالمية إليها بصورة لم يسبق لها مثيل فقد أسهمت صناديق مؤثرة في العالم في صناعة هذا العملاق الاقتصادي، ومن أهمها صندوق الاستثمارات السعودي الذي استحوذ على حصة مهمة في وقت مبكر وصندوق رؤية سوفت بنك الياباني (الذي يمتلك صندوق الاستثمارات السعودي حصة مهمة فيه) وشركات قابضة عملاقة مثل ألفابت الرائدة في الاستثمارات الناجحة في مثل هذه الصناعة ولعل استحواذها على شركة جوجل خير دليل على قراءتها لتوجهات هذا القطاع إضافة إلى تملكها في شركة ليفت وهي المنافس الأقوى لـ"أوبر" في الولايات المتحدة.
ولقد كانت شركة أوبر مثيرة وهي تستحوذ على شركة كريم المنافس الأقوى في الشرق الأوسط، ثم جاء الطرح الأولي مثيرا في حجم المكاسب التي حققتها الشركات المستثمرة في "أوبر"، ومثيرا أيضا حتى في القرارات التي اتخذتها الشركة بشأن سعر الاكتتاب، فعلى الرغم من أن السهم قد حدد له سعر بين 50 و44 دولارا، فقد اتجهت الشركة إلى سعر 45 دولارا للسهم وهذا خلاف المتوقع حيث قد أشارت التقارير إلى أن الشركة التي حققت إيرادات تجاوزت 11 مليار دولار في 2018 تسعى من خلال الاكتتاب إلى جمع أموال تصل إلى أكثر من عشرة مليارات دولار لتعزيز رأسمالها، لكن من الواضح جدا أن الشركة كانت تفكر بطريقة مختلفة وتسعى إلى تمكين مساهمين استراتيجيين من تحقيق مكاسب قوية معها. فالشركة تستند إلى سمعة عالمية كبيرة وقوة تكنولوجية ورأسمال قوي مكنها من بناء قيمة تتجاوز قيمة شركات صناعة السيارات مثل «فورد» و«كريسلر»، كما أثبتت استحواذها على شركة كريم أخيرا على هذه المتانة لرأس المال، ولهذا فإن تقييم السهم عند 45 دولارا، وهو الحد الأدنى من المدى السعري يؤكد أن الشركة تسعى إلى كسب ثقة السوق والمتداولين، وتهدف إلى الفوز بشريحة كبيرة من المستثمرين وليس المضاربين المتعجلين الفوز بالتذبذبات السعرية الحادة خاصة في السنة الأولى للطرح، وهذا كان مؤشرا آخر على أن الشركة ترسم خطة طويلة الأجل لاستدامة اقتصادية في سوق شديدة التعقيد شديدة التحول.
لقد كانت نشرة الاكتتاب التي وزعتها الشركة من خلال هيئة السوق المالية الأمريكية تؤكد مستقبلا عريضا لصناعة تكنولوجيا النقل تتجاوز بكثير المرحلة الراهنة، فالشركة التي تسيطر الآن على سوق خدمات نقل الأفراد ودخلت بقوة إلى صناعة التوصيل كما تسعى إلى الدخول بقوة في صناعة تكنولوجيا السيارات الكهربائية، والسيارات ذاتية القيادة، وهذه التكنولوجيا تحتاج إلى استقرار في الإدارة العليا للشركة وتوجهات استراتيجية وحوكمة تحقق هذه التوجهات.
من المهم لفت النظر إلى أن قرار الشركة بالطرح عند مستوى 45 دولارا كان ينم عن قراءة واقعية للحالة الاقتصادية العالمية الراهنة فالمجازفة بالفوز بتدفقات نقدية كبيرة من خلال سعر مرتفع قد تؤثر في مصداقية الشركة وهو ما لا ترغب فيه الشركة وكبار المستثمرين الآن، ولقد أثبتت الأيام الأولى من التداول أن الشركة كانت على حق فالتذبذب في سعر السهم في أول يوم للتداول كان ناتجا عن حالة السوق عامة المضطربة وهي ما تسمى بالمخاطر المنتظمة المؤثرة في كل الشركات والقطاعات، فالسوق تأثرت كما يبدو الأحداث الاقتصادية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، وشركة أوبر كانت متنبهة لأثر هذه التوترات في أسعار الأسهم.

إنشرها