الهيكل التنظيمي والحوكمة

|


الهيكل التنظيمي وجد تفسيراته في فلسفة الإدارة من خلال نظرية المنظمة Organizational theory ، ولكن هذه الفلسفة تأثرت بالتغيرات الهائلة التي أصابت البحث العلمي، والتحولات التي شهدها في رحلته من المنطقية إلى الحداثة، وإلى ما بعد الحداثة اليوم، وباختصار فإن المراحل الحداثية كانت ترى المنظمة موجودة "فقط"، إذا كانت هناك مجموعة من العلاقات العقلانية بين الأطراف تسعى إلى تحقيق هدف محدد مسبقا، ولهذا كانت الهياكل التنظيمية تبنى على أساس هذه المسلمة الحتمية المنطقية، وهيكل نموذجي يوضحها يعمل الجميع من خلاله لبلوغ وتحقيق أهداف المنظمة بفاعلية، لكن مع نهايات القرن الماضي بدت الأمور بصورة مختلفة؛ فالعلاقات في المنظمات ليست مبنية على المنطق بل على المصلحة، ولا يوجد هدف واحد للمنظمة يفنى الجميع من أجل تحقيقه، بل هناك خليط من أهداف الأفراد والمجموعات المتصارعة؛ ولهذا يتشكل الهيكل التنظيمي ليعكس الصراع على القوة في المنظمة والسيطرة على مواردها. هذه النظرية واضحة في فلسفتها الصراعية؛ فمهما رسمت من هيكل أو أصدرت من قواعد ولوائح فإن الصراع في نهاية المطاف هو الذي سيحدد أي العلاقات، وأي خطوط السلطة ستمضي قدما، وأيها سيتم تعطيله، ثم في مرحلة أخيرة مع ظهور التحولات في المذهب الفلسفي نحو ما بعد الحداثة ظهرت الثقافة مؤثرا في الهيكل التنظيمي، الثقافة بما تحمله من قيم وأعراف وتقاليد، فما كنا نظنه صراعا هو في الحقيقة ثقافة مجتمع؛ ولهذا فما يصلح هيكلا لمنظمة ما، لا يصلح لغيرها مهما تقاربت الأهداف الرسمية المعلنة أو الموارد، ذلك أن ثقافة المجتمع هي التي تحدد العلاقات، ومن ثم تحدد شكل الهيكل، وما يمكن قبوله هيكلا تنظيميا لوزارة لا يصلح لغيرها، وما يصلح لجامعة في الشمال لن يكون مناسبا لجامعة في الجنوب، بل ما يكون هيكلا مناسبا في زمن لن يكون كذلك في زمن آخر.
قبل بناء أي هيكل تنظيمي أنت بحاجة إلى فهم عميق لمعنى العلاقات الاجتماعية في زمان ومكان المنظمة، وفي زمن اليوم لم يعد مناسبا أن ترى هيكلا تنظيميا على شكل بيروقراطي بحت، تنفصل فيه المنظمة عن مجتمعها متمترسة باللوائح والنظام على من حولها، أو يسيطر عليها رجل واحد وفق ما كان يسمى المستبد المستنير، هذا النموذج لم يعد يجد دعما من الثقافة القائمة على التواصل الاجتماعي، والنقل الحي والواقعي للحدث، وهذا النموذج لم يعد يجد مكانا بين مجتمع تتجدد فيه القيم وتتغير بشكل سريع، ومعنى الخير والشر لم يعد كامنا في الثقافة بل متغيرا فيها، مجتمع أصبح الرأي الجماعي حول مسائل الحق والخير والجمال أقوى من أي رأي فردي مهما تملك هذا الرأي من رصيد أو دعم، هنا تجد فلسفة الحوكمة ومبادئها قوة لتفسير الهيكل التنظيمي والتحولات الضرورية فيه.
الحوكمة اليوم تتطلب أن تنعكس قيم المجتمع في المنظمة، والمجتمع هنا هم أصحاب المصلحة سواء كانوا مباشرين أو غير مباشرين، قيم النزاهة والسلوك لا بد أن تجد خطوطها في الهيكل، وهذه لن تتحقق ما لم يتم إشراك أصحاب المصلحة في عملية القرار الاستراتيجي، ذلك أن النزاهة تعني هنا أن تكون مصلحة المجتمع فوق الجميع فلا تحيز في القرار، ولهذا فإن تفسيرات النظام واللوائح يجب أن تمر من هنا، الهياكل التي تتجاهل هذه المسألة تكون دائما عرضة للتشكيك في النزاهة والأخلاق والقيم. وكما أشرت فإنه في مجتمع أصبحت القيم متغيرا تابعا للرأي الجماعي، وليست حتمية معطاة، فالمنظمات يجب أن تكون قادرة على قراءة هذه التحولات والتغيرات وعكسها فورا في قيم المنظمة، وإلا فإن المنظمة ستصنف بأنها عدائية.
الحوكمة تتطلب تحولات أساسية في المستويات العليا للقرار الاستراتيجي، فلم يعد من المناسب اليوم لأي منظمة أن تكون منغلقة، بل لا بد من شراكة واسعة مع المجتمع، فالفعل الاستراتيجي لم يعد مبنيا على مفاهيم التحليل الرباعي أو نظريات الجودة البائسة، بل على التدفق المستمر للموارد الداخلة، سواء كانت هذه الموارد من المجتمع مباشرة بأي صورة مثل "الرسوم" أو تخلي المجتمع عن الفوز بالعوائد وقبول إعادة استثمارها، هنا يجب أن تكون هذه القرارات استجابة لرغبة المجتمع وليس الإدارة، مجتمع يتشكل رأيه من خلال لجان عليا في الهيكل أو عامة أو مجالس في قمة الهرم تقوم بالمشاركة وتحمل تبعات القرار الاستراتيجي، فالمنظمات المغلقة التي تتخذ قراراتها بعيدا عن المجتمع وفقا لمفاهيم الجودة والتحليل الرباعي وغيرها من النماذج، تمنح حقا مطلقا في التفسير للإدارة، هذا الحق المطلق لم يعد يجد دعما في الثقافة السائدة اليوم.
الحوكمة تتطلب ضمانات في الهيكل لفهم التغيير، وفهم المكونات الثقافية؛ ولهذا تجد إدارات مثل إدارة التغيير وإدارة الفرص مكانا مناسبا في قمة الإدارة التنفيذية، وتأتي إدارات مثل المخاطر، لتعمل على فهم الصراع في داخل المنظمة بين أهداف التنفيذيين وأهداف المنظمة ذاتها. فكثير من التنفيذيين لديه رغبة جامحة في السيطرة على جميع موارد المنظمة من خلال الهيكل وحجبها عن التنفيذيين الآخرين لتحقيق مسؤولياته، لكن ليس لتنجح المنظمة بل ليحقق النجاح الذاتي ويقفز على أكتافها فقط. هنا تبدو الأمور خادعة، والمخاطر الضخمة على مصالح المجتمع تأتي من طموحات التنفيذيين. إدارة المخاطر في المنظمة قادرة على تحجيم هذا، وتضمن أن تكون الموارد موزعة بشكل يحقق جميع أهداف العمل وليس أهداف القائمين عليه. تلك الخطوط الدقيقة في العمل تضمنها الحوكمة من خلال إدارة المخاطر والمراجعة الداخلية، لكن ما بعد الحداثة بكل هيمنتها اليوم تتطلب مشاركة مجتمعية في لجان عليا تحدد المخاطر وتحدد أعمال المراجعة الداخلية. انتهت المساحة ليبقى الحديث ذا شجون.

إنشرها