القيادة التنفيذية وصناعة الأزمات

|


حسن القيادة التنفيذية لا يرتبط بسنوات الخبرة فقط، فالمواقف التي تتعرض لها إدارات الشركات في الوقت الحالي لم تمر على الأرجح على مسؤوليها خلال حياتهم العملية. السبب بكل بساطة أن الظروف الاقتصادية الحالية مختلفة عن السابق، وأن ديناميكية المنافسة والتفاعل في سوق الأعمال تختلف عن السابق، وأن هناك كما هائلا من العناصر السياقية والبيئية التي تعد جديدة بالكامل، ولا تزال طريقة تفاعلها أو آثارها المحتملة أو قدراتها مجهولة إلى حد ما، على سبيل المثال، وسائل التواصل الاجتماعي أو ثقافة جيل الألفية وما يتبع ذلك من سلوكيات جديدة وتأثيرات جماهيرية.
ولكن هل يعفي هذا قادة الشركات من المسؤولية؟ أو يبرر لهم سوء تصرفاتهم الإدارية أو تأخرهم في التفاعل والاستجابة؟ أو إهمالهم الذي قد يعد "إهمالا جسيما" وهو أمر قد يعرضهم إلى عدد من العواقب المهنية والقانونية، وربما إذا طُبق بحقهم النظام، زُجوا في السجن؟
دائما ما أتفاجأ بالمديرين الذين يملكون الخبرة الجيدة، وقبلها التعليم الممتاز، إضافة إلى ذلك تلقوا تدريبا تنفيذيا حديثا على أعلى مستوى، ولكنهم يصنعون من قراراتهم الأزمات، وليس الحلول، بل ربما يحولون المشكلات الداخلية إلى أزمات خارجية، أو يصنعون من التعارض بين فريقين أو إدارتين تعارضا بين شركتين أو حتى جدلا في المجتمع، وعلى رأس هؤلاء زعيمهم الذي ينشئ النزاعات ويهتك نسيج منظومته وهو يبرر لنفسه بعبارات مثل "فرق تسد" أو "اضرب الحديد وهو ساخن". مثل هؤلاء تجد لديه قناعات غريبة حين تحاول أن تفهم طريقة تفكيره، فهو يعرف جيدا أن ثقافة المنظمة تحتاج إلى إدارة وإدارتها تقوم على حسن القيادة والتحفيز والشفافية والثقة وإدارة الاختلاف. ولكن لسان حاله يقول: "لدينا نوع مختلف من الموظفين، إذا أظهرت لهم الحقيقة استغلوك وإذا وثقت بهم خانوك وإذا وفقت بينهم تكالبوا ضدك، لذا باغتهم بالمفاجآت، وناورهم بالقرارات، والأهم، لا تجعل لأحدهم طريقا قانونيا عليك، وبعد ذلك انظر لمصلحة الشركة فهي الأهم، ومن يهتم سيتبعك راضيا أو مكرها، والخيار له!". وهذا بالطبع ضد كل أدبيات الإدارة ونماذج الأعمال الحديثة وأفضل الممارسات التي تدعمها الدراسات والأبحاث. مع ذلك، فهو يمارس حتى في أكبر المنظمات وأثقلها تنظيميا على المستوى المحلي.
التحديات الإدارية المحلية لدى مديري الأعمال لا تقتصر على المخاطر التنظيمية أو تقلبات الأسعار أو تغير سلوك العملاء فقط، كلا فالأمر أوسع بكثير. اجتماع الظروف العالمية، والتقنية، والمحلية في الفترة الماضية صنع ضغوطا على الأعمال جعل كثيرا منها يتعرض لصدمة طريقة العمل Business Model Shock أو هزة شديدة جدا في نموذج العمل القائم. وهذا يعني أن الأمر أصعب حتى من إدارة الأفراد والسلوكيات، فنموذج العمل وطريقة تفاعل القيمة مع مجموعة الأطراف والعناصر التي تتعامل معها المنشأة تتغير بشكل راديكالي سريع. لتتضح الصورة نرجع خطوة إلى الوراء ونقول: إن الوضع السابق والحالة السائدة التي نجحت فيها هذه الأعمال لم تعد موجودة حتى بات وجود هذه الأعمال مهددا بشكل مباشر، بل إن البعض فشل فعليا في البقاء وخرج من السوق. يقوم البقاء على التمحور وتجديد نموذج العمل باستجابة سريعة وذكية، وهذا يعني تنفيذ أكثر من تغيير في الوقت نفسه على مستوى قنوات البيع وإجراءات صنع القيمة داخل المنشأة، وربما يطول التغيير قائمة الخدمات والمنتجات وكيان المنشأة ومخزونها البشري. وبكل تأكيد، نواجه أثناء ذلك قائمة طويلة من التحديات المرتبطة بالقوانين الجديدة، والمنافسة، والتقنية، والمواهب.
لهذه الأسباب يفشل التنفيذي المتعجل الذي لا يستطيع فهم الواقع من حوله، ولم يشرح الوضع الحالي جيدا ولا يملك استشرافا واقعيا للقادم. هو لا يملك أساسا الأدوات التي تمكنه من القيام بذلك وربما كان محاطا بفريق مخضرم معتاد على بروتوكولات إدارية عفا عليها الزمن. يقول البروفيسور آدم قرانت وهو من أفضل من يكتب اليوم في علوم الإدارة الحديثة: "المنظمات التي تملك أسعد العملاء، لديها أساسا موظفون سعداء يقدمون أفضل ما لديهم". إدارة التغيير لا تقوم بالضرورة على التصادمات وجرعات الإحباط - وليست بكل تأكيد جولة ممتعة نقوم بها - على هامشها كثير من المكاسب والخسائر المادية والبشرية؛ لكن التنفيذي الجيد يعرف كيف يقلل من الأثر السلبي، ويصنع النتائج على أرض الواقع بتخفيف ذلك والسيطرة عليه، وإيجاد البدائل والتحسينات؛ حتما ليس بفقدان السيطرة أو الفوضى أو الإخلال بالقيمة التي تنتجها منظمته.

إنشرها