هل نوظف المساعدات للتعليم والتدريب؟

|

أحدثت التقنية نقلة نوعية، كبيرة، إن لم تكن ثورة كبيرة في حياة الناس، ليس في بلد واحد، بل في أنحاء الكرة الأرضية وخارجها، كما يحدث من تواصل بين رواد الفضاء على المريخ، فيما بينهم، ومع عالم الأرض. ولعل من أعظم فوائدها التعريف بالشعوب الأخرى وثقافاتها وأنماط عيشها والثروات المتوافرة في أوطانها وتاريخها، وهذا ما كان يجهله كثيرون، عدا من تهيأت لهم إمكانات السفر، وتوافر لديهم الطموح والدافع للضرب في الأرض والسعي فيها؛ كسبا للعيش، أو بهدف اكتشافه، كما فعل رحالة العرب، والمسلمين، كابن ماجد، وابن بطوطة، وغيرهما ممن غادروا مكان ولادتهم، وجمعوا المعلومات، ووصفوا الشعوب بدقة في عاداتها، وتقاليدها، واكتشفوا أوطانا مجهولة. كما كان للمستشرقين دور كبير في منطقتنا بدعم من الكنائس في أوروبا؛ ما مكنهم من الوصف الجغرافي؛ والديموغرافي للأوطان التي زاروها، وساعدت المعلومات على استعمار الدول العربية.
مع التقنية الحديثة قلت مشقة الترحال، وأعباء السفر، ومشكلات الطقس من حرارة شديدة، أو برودة شديدة، تفوق احتمال الإنسان. وبالتقنية تيسر الحصول على معلومات أكثر، وأدق، خاصة باختراع الكاميرا، كما أتاحت التقنية سرعة وصول المعلومة، والخبر، وانتشارهما. ومما يسرته التقنية الاطلاع على أوضاع الشعوب، والمجتمعات، من حيث الرخاء والفاقة، خاصة أولئك الذين يعيشون في أوطان فقيرة، أو عانوا ويعانون ويلات الحروب والنزاعات الداخلية بين مكونات المجتمع العرقية والدينية.
مشاهد البؤس والفقر ليست لها حدود، حتى إن ما يصوره أصحاب حملات الإغاثة، والعون في إفريقيا، وفي مخيمات الروهينجا، ومخيمات السوريين، وغيرها من الأماكن تشعر المشاهد لها بغفلته؛ نتيجة مشاغل الحياة. ومن أبرز هذه المشاهد ما صورته عدسة شاب كويتي متخصص في حفر الآبار الارتوازية في إحدى قرى إفريقيا، وكيف كانت فرحة الناس كبارا وصغارا؛ حين تدفق الماء، فالرقص، والتكبير، والحمد، والثناء كانت معبرة بشكل منقطع النظير، إذ كانوا سابقا يقطعون مسافات طويلة لجلب الماء على الرؤوس، أو الدواب لمن يملكها. كما أن من المشاهد صورة أعداد غفيرة من الناس يجتمعون على مائدة إفطار رمضان التي لا يمكن وصفها بأكثر من المتواضعة، التي ربما لا تسد الرمق.
هذه المشاهد حركت لدي مشاعر لوم الذات على فائض الطعام، وأنواعه الموقعة في الإسراف المنهي عنه شرعا، والمضر بالاقتصاد الوطني، خاصة أننا لا ننتج كفايتنا من الطعام، بل نستورده، وهو ما يكلف الوطن كثيرا من المال، وما يتم صرفه لا يمكن استرداده، وما ثروة الماء الشحيحة لدينا؛ لقلة الأمطار، وانعدام الأنهار إلا إحدى النعم التي لا بد من السعي للمحافظة عليها، حتى لا يصل بنا الأمر في يوم من الأيام - لا سمح الله - إلى حالة من كانت فرحتهم بظهور الماء في قريتهم تفوق الخيال، ولا عذر لنا في ذلك، فالشواهد تؤكد أننا بلد فقير مائيا، وعلينا عدم نسيان الحقيقة، بل نحتاج إلى تدريس موضوع الماء، والمحافظة عليه، كما تجب التوعية بشأنه في خطب الجمعة، ومن خلال وسائل الإعلام بأنواعها كافة.
مع حلول شهر رمضان المبارك يفزع الناس بزكواتهم، وصدقاتهم داخليا وخارجيا، وهذه من سمات المجتمع المسلم، وأعتقد أن دفع هذه الأموال يفترض أن يكون وفق خريطة أولويات تأخذ في الحسبان الحاجة الماسة إلى الإغاثة، كما يفترض إيجاد برامج تعليمية، وتدريبية يطبق من خلالها المثل القائل: "لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطادها" يتولى تنفيذها متخصصون في الزراعة، والتجارة والثروة الحيوانية، حيث يتعلم الناس، ويتدربون على إيجاد المشاريع، وتشغيلها مهما كانت بسيطة ليعتمدوا على أنفسهم مستقبلا، بدلا من انتظار العون الخارجي، على أن تتم هذه البرامج والمشاريع بالتعاون مع أصحاب الخبرة من أبناء تلك الأوطان، حتى يتحقق التواصل المستمر، والإشراف بدلا من الانقطاع الذي يحدث نتيجة ظروف الحياة ومستجداتها.
لدينا في المملكة جهات عدة تضطلع بأعمال الإغاثة كهيئة الإغاثة العالمية، ومركز الملك سلمان للإغاثة، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، إضافة إلى ما يوجد في الدول الإسلامية من مؤسسات وهيئات إغاثة، وتضافر جهود هذه الجهات والتنسيق فيما بينها سيحقق نجاحا كبيرا يحدث نقلة نوعية في حياة الشعوب المحرومة.

إنشرها