حالة سوق النفط

|


يصعب أن تقرأ سوق النفط دون المؤثرات السياسية والعوامل الاقتصادية والضغوط المالية والتطورات التقنية وأخيرا الاستعداد للمفاجآت. حتى لو نجحت في قراءة بعضها فلن يكفي لتوقع الأسعار ولذلك أغلب التنبؤات بالأسعار تكون خطأ وأحيانا صحيحة لأسباب مختلفة. لذلك لن أتقدم بتوقع محدد للأسعار ولعلي أتلمس توجها عاما. سجلت أسعار النفط ارتفاعا 40 في المائة منذ بداية العام . هناك ثلاثة عوامل ليست جديدة لكنها متغيرة ولذلك تتطلب مراجعة من آن إلى آخر.
الأول: الحالة السياسية لبعض الدول المصدرة للنفط وظروفها المختلفة خاصة إيران وفنزويلا وليبيا.
الثاني: سياسة "أوبك"، والثالث: النفط الصخري.
أعلنت الإدارة الامريكية عدم رغبتها في تمديد السماح لعدة دول مهمة في علاقات إيران النفطية مثل الهند والصين والعراق وكوريا واليابان وتركيا مع بداية أيار (مايو) 2019. بلغ إنتاج إيران 3.82 مليون برميل يوميا في أيار (مايو) 2018، و2.75 مليون برميل في كانون الثاني (يناير) من هذا العام، أي إنه سجل انخفاضا بأكثر من مليون برميل قبل نهاية السماح. تُصدر إيران الآن تقريبا 1.4 مليون برميل ومن المتوقع أن يصل التصدير لأقل من مليون برميل بعد عدم السماح. إنتاج إيران قد يستمر عند 2.5 مليون برميل بسبب أن سعة المصافي نحو 1.7. أزمة فنزويلا تزداد تعقيدا لذلك يصعب أن يكون هناك انفراج قريب وكذلك ليبيا علما أن أزمتها النفطية تبدو أقل حدة من فنزويلا حتى الجزائر تواجه تحديا أقل نسبيا. علمتنا التجربة أن تخفيف أو حتى زوال المؤثر السياسي يسمح بزيادة الإنتاج بسرعة ولكن إلى مستوى معين فقط لكن غالبا لا يرجع للمستوى نفسه بسبب نقص الأموال والاستثمارات وتراكم الصعوبات الفنية وعدم الثقة على الأقل بالسنوات الأولى.
العامل الثاني أن "أوبك" أثبتت درجة عالية من الالتزام بتقليص الإنتاج ربما بمساعدة من العامل الأول، فمنذ اتفاق دول "أوبك" في كانون الأول (ديسمبر) 2018 على تقليص الإنتاج 1.2 مليون برميل خاصة أن ذلك صاحبه نمو اقتصادي مقبول عالميا رغم التوقعات السلبية وقتها، حيث تزامن مع تصحيح مؤثر في الأسواق الرأسمالية. فانضباط "أوبك" والنمو الاقتصادي منذ بداية العام جعلا الظروف مواتية لارتفاع تدريجي وحثيث في الأسعار.
العامل الثالث وربما الأكثر تعقيدا، رغم أن أمريكا لا تزال مستوردا صافيا للنفط بنحو 2.8 مليون برميل في 2018 مقارنة بما ذكرت وكالة معلومات الطاقة الأمريكية أنها كانت 3.6 مليون برميل في 2017 إلا أن النفط الصخري قد يكون أهم عامل نفطي في العقد الأخير على الأقل. إذ إن أمريكا أصبحت أكبر منتج للنفط في عام 2018 بعد أن أصبحت أكبر منتج للغاز في 2009. لكن هناك مؤشرات اقتصادية - فنية تدل على تباطؤ النمو في الإنتاج رغم ما يذكر تحت العناوين الإعلامية.
السوق النفطية معقدة ومليئة بالمفاجآت والتغيرات السياسية والتحولات الاقتصادية وبعض تعبيرات التغير تمر تحت الرادار فمثلا كانت أسهم شركات النفط تشكل 15 في المائة من مؤشر S&P قبل عشر سنوات، واليوم 6 في المائة فقط. قراءتي للعوامل الثلاثة تقود إلى حالة من الاستقرار في الأسعار على المدى المتوسط . فهذه حال السوق سلعة ناضبة ومركزية ونمو في الاستهلاك رغم ما يُقال عن البدائل وحساسية أسعار النفط للمؤثرات السياسية لكن السعر الحقيقي لم يستطع مجاراة التضخم، فرغم القراءة المستقرة لحالة السوق النفطية إلا أن هناك متغيرات ومؤشرات تستحق متابعة رصينة.

إنشرها