الرواتب .. نصف الدخول الشخصية

|


أعلنت الهيئة العامة للإحصاء يوم الأربعاء الماضي نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة 2018. متوسط الدخل الشهري للأسرة السعودية نحو 15 ألف ريال، وللفرد السعودي من ذوي الدخل نحو ثمانية آلاف ريال. وبلغ متوسط الإنفاق الشهري للأسرة قرابة 16 ألفا، منه قرابة 90 في المائة للإنفاق الاستهلاكي.
لاحظت كثرة المشككين بهذه النتائج. قالوا كيف يكون هذا ومتوسط رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص أقل كثيرا؟! وقولهم دل على خلط بين الدخل والراتب، وخلط بين دخل الفرد ودخل الأسرة. وكان ينبغي للمنتقدين فهم الكلام قبل نقده. وهي عبارة حكيمة تعلمتها من الشيخ عبد الله الغديان- رحمه الله- عضو هيئة كبار العلماء سابقا. كان عليهم سؤال هيئة الإحصاء أو أهل العلم بهذه الأمور. وقد أخبرنا سبحانه في أكثر من آية أن أكثر الناس لا يعلمون. وأمرنا بسؤال أهل العلم. ولكنه اتباع الظن والهوى.
بلغ الإنفاق الاستهلاكي النهائي الخاص "إنفاق العائلات والأفراد المنفردين الاستهلاكي" قرابة 1100 مليار ريال العام الماضي. المصدر موقع هيئة الإحصاء. ولو أضفنا الإنفاق غير الاستهلاكي الخاص لكان الناتج قرابة 1200 مليار. بالمقابل، وفي العام نفسه، مستحقات موظفي الدولة في حدود 400 مليار ريال. المصدر بيانات الميزانية. وأجور المواطنين من العمل في القطاع الخاص أقل من 200 مليار، على أساس نحو مليوني مشترك سعودي مسجلين في التأمينات، متوسط راتب الواحد 7500 تقريبا حسب هيئة الإحصاء، وأجور الوافدين لا تزيد على 200 مليار ريال سنويا ونسبة كبيرة منها تحول إلى خارج المملكة. أي أن إنفاق العائلات والأفراد المنفردين ضعف رواتب موظفي الحكومة والقطاع الخاص تقريبا. وهنا أوضح مسألة تخفى أو تلتبس على كثيرين. ما ينفق بغرض تملك مسكن لا تحتسبه هيئات الإحصاء في العالم ضمن الإنفاق الاستهلاكي، بل ضمن الإنفاق الاستثماري. التوضيح السابق يجر إلى سؤال جوهري: طالما أن الرواتب تغطي نصف إنفاق العائلات والأفراد المنفردين، فما مصدر تغطية النصف الآخر من الإنفاق؟
القروض؟ نعم تزيد القوة الشرائية، لكنها لا تكفي لجواب السؤال. هي تحسم من الرواتب على هيئة أقساط. وجزء كبير منها يذهب لتمويل إنفاق غير استهلاكي.
يتركز جواب السؤال باختصار في وجود مصادر للدخل الشخصي غير الرواتب. وكل استنتاج يقوم على تجاهل هذه المصادر الأخرى في فهم الدخل والقوة الشرائية والطلب والإنفاق والأسعار والتضخم، استنتاج خاطئ. وتبعا، كل ما يبنى عليه خاطئ. هذه قاعدة عامة في أي اقتصاد، وتتأكد أكثر في الاقتصاد السعودي وما شابهه في البنية. ذلك لأن من خصائص الدول المعتمدة اقتصاداتها على موارد طبيعية كالنفط، خاصة إذا كانت ذات كثافة سكانية منخفضة نسبيا كالمملكة، من خصائصها انخفاض نسبة مصدر دخل العمل من الدخل الشخصي المتاح، مقارنة بأغلبية الدول الأخرى.
وللمزيد من التوضيح؛ الدخول الشخصية ثلاثة أنواع:
1 - دخل عمل وظيفة.
2 - دخل عمل حر، مثل أجور الأطباء أصحاب العيادات الخاصة، والمحامين وعامة أصحاب الأعمال التي يعملون فيها بأنفسهم والمعقبين وأصحاب السيارات في خدمة كريم وغيرهم.
3 - دخل مصدره لا يعد عملا بالمعنى المعروف.
النوع الأول هو الأهم لأغلبية الأسر. النوع الثالث مثل المساعدات والإعانات بأشكال متنوعة، والضمان الاجتماعي ومكافآت الطلاب كطلاب الجامعات، وأعطيات الوالدين، والدخل الناتج من الأوقاف والمواريث والأعطيات "الهبات". ومن الأمثلة دخل العائلات والأفراد من الأسهم وتأجير العقارات، وغيرها من أوجه الرزق الاستثماري. من الأمثلة أيضا دخل مصدره فساد وظيفي أو تستر.
ماذا عن الإعفاءات من قروض حكومية أو التراخي في تسديدها؟ هذه لا تزيد دخول الناس، لكنها تزيد من قوتهم الشرائية. الملاحظ أن نسبة الدخل دون عمل ترتفع في الاقتصاد السعودي وأشباهه من الاقتصادات المعتمدة على موارد طبيعية، مقارنة بالنسبة في أغلبية الاقتصادات الأخرى. ومتوقع أن تنخفض نسبة الدخل من طرق غير مشروعة مع توجه الدولة القوي لمحاربة الفساد والتستر. لكن بالمقابل، ستزيد مساهمة بدائل التستر. ومن الصعب الحكم على الصافي.
الخلاصة أن الدخل الشخصي للعائلات والأفراد المنفردين له عدة مصادر، والوظيفة أحدها. وتشكل الرواتب قرابة نصف الدخل الشخصي في بلادنا. وتجاهل الدخول غير الرواتب ينتج أخطاء جسيمة في فهم القوة الشرائية وحركة الأسواق والطلب والأسعار. ويدل على قلة شكر النعم "وقليل من عبادي الشكور". ورمضان مبارك، وبالله التوفيق،،

إنشرها