«إفطار صائم» ليس هدرا

|


شهر رمضان شهر المحبة والتقارب والرحمة بين الأغنياء والفقراء وهو من أفضل الأوقات لإبراز قيم الإسلام ورسالة السلام والمودة تجاه المسلمين وغير المسلمين. في هذا الشهر الكريم تبرز القيم الإسلامية النبيلة بقوة ووضوح من خلال تخصيص أوقات أطول للعبادة، وكميات أكبر من العطاءين المعنوي والمادي، علاوة على التعامل الحسن وإظهار مشاعر المودة تجاه الآخرين. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا".
كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول جدوى الاستمرار في مشاريع "إفطار صائم"، فارتفعت أصوات تُقلل من فائدته ومردوده، ومن ثم تدعو المشايخ وأئمة المساجد والمحسنين إلى إيقافه، لأنه يصل إلى أناس لا تجوز عليهم الصدقة، ولا يكنون المودة للمواطن ولا يقدرون الإحسان، ويضيفون أيضاً أنه ربما يندس من بين المستفيدين من مشروع "إفطار صائم" من لا يصوم أو حتى من هم غير مسلمين. وحول ذلك تبرز في الذهن تساؤلات كثيرة، منها: هل توقفت الصدقات وأعمال الخير على ما ينفق على مشروع "إفطار صائم"؟ وهل يؤثر ما ينفق على مشروع "إفطار صائم" من صدقات وأعمال خير في رمضان وغير رمضان؟ ثم هل أغلقت الجمعيات الخيرية أبوابها وأعلنت إفلاسها بسبب الإنفاق على مشروع "إفطار صائم"؟ علاوة على ذلك، هل من المنطق ربط مشروع "إفطار صائم" بغلاء الأسعار وعدم إتقان العمل وتدني نظافة المطاعم التي يتهم بها الوافدون؟ أليست هذه المشكلات برزت بسبب التهاون وغياب الرقابة وعدم تفعيل الأنظمة وتطبيقها بصرامة على الجميع؟ وأخيراً أود التأكيد أنه ليس من المناسب العزف على وتر "الوطنية" عند مناقشة قضايا اجتماعية أو دينية، لأن ذلك يضعف النقاش ويخدش موضوعية الحوار. لا شك أن الهدر والإسراف في الإنفاق موجود في كثير من المشاريع الخيرية وغير الخيرية، وندعو للحد منه، فإذا كان هناك هدر وعدم ترشيد في مشروع "إفطار صائم"، فمن الأولى إيقاف الهدر وإصلاح الخلل. وإذا كان هناك تلاعب بالأسعار فهناك جهات مسؤولة عن ذلك، وإذا كان مستوى النظافة متدنيا في مطاعمنا، فليس لـ"إفطار صائم" علاقة بذلك، بل هي مسؤولية جهات أخرى. أما مشروع "إفطار صائم"، فينطلق من قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا". وهذا المشروع العظيم لا ينبغي أن يُعطل بناء على مشاعر عاطفية سلبية تجاه العمالة الوافدة، بل ينبغي أن يُطوّر ويخضع للدراسة والتقييم الدوري لتحديد الأثر بناء على مفهوم التكلفة والعائد، ليس المادي فقط، وإنما النفسي والاجتماعي والديني والوطني، فلربما تبدو تكلفته كبيرة، ولكن عوائده أكبر، حيث يصعب على البعض إدراكها، ومنها:
1 - "إفطار صائم" يبث روح الأخوة والتكافل بين المسلمين ويُقرب غير المسلمين للإسلام والمسلمين، ويترك لدى الوافدين غير المسلمين ذكريات جميلة، ربما تحبب هؤلاء في الإسلام وتدفعهم لدخول الإسلام. علاوة على أن "إفطار صائم" أصبح من سمات شهر رمضان ومن السمات الجميلة التي يتسم بها المجتمع السعودي.
2 - معظم أفراد العمالة الوافدين الذين يستفيدون من "إفطار صائم" يستحقون الإحسان والرحمة والشفقة، ولا ينبغي أن نعزز كراهيتهم، فهم لم يأتوا بأنفسهم دون إذن، بل قدموا بناء تأشيرات للعمل في المملكة، وفي النهاية هم ضيوفنا وسفراء سيكون لهم دور في تعزيز صورة بلادنا في أرجاء المعمورة.
3 - لا ينبغي أن نحمّل العمالة الوافدة بعض الإخفاقات أو التستر أو التراخي في تطبيق الأنظمة الخاصة التي تمنع التلاعب بالأسعار وكذا المحافظة على سلامة الغذاء وجودة الأداء.
4 - كي يحقق مشروع "إفطار صائم" أهدافه ينبغي أن يُشارك في الإفطار بعض جماعة المساجد لزيادة التفاعل مع الإخوة غير المواطنين وإيجاد أجواء أخوية تعزز المودة فيما بينهم، وترسم في أذهانهم صورة مشرقة للمواطن.
في الختام: أدعو إلى عدم الإسراف في مشروع "إفطار صائم" وانتقاء ما هو مناسب ومفيد، ثم أنتهز الفرصة لتقديم التهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، داعياً المولى القدير أن يعيده على الجميع بالخير والأمن والرخاء.

إنشرها