سعودة اللغة في القطاع الخاص

|


هناك ادعاء واسع الانتشار بين المجتمع خاصة القطاع الخاص، مفاده أن الطلاب الخريجين من الجامعات ومن المؤسسة العامة للتدريب غير مؤهلين لسوق العمل، والحقيقة: إن كل الجهود التي بذلت من أجل سد هذه الفجوة "المفترضة" لم تكلل بالنجاح، والسبب في ذلك -كما أعتقد- أننا افترضنا ابتداء صحة الفرضية قبل أن نقوم باختبار وجودها الفعلي، ولقد كان لي في هذا الخصوص تجربة في جانبي العرض والطلب فقد عملت لفترة في القطاع الأكاديمي وفي تصميم البرامج التدريبية وتخريج الطلاب وأيضا عملت في القطاع الخاص، حيث يتم استقطاب الشباب للعمل، واختصارا لهذه التجارب أقول: إن هناك فجوة بين الجانبين لكن ليس مردها إلى التعليم أو التأهيل، بل في قضيتين رئيستين، الأولي في جدية العمل والانضباط والإنتاجية، حيث يتخرج الطالب في الجامعة وهو يفتقد هذا تماما، فلا هو حريص على أوقات العمل ولا منضبط فيه، وإنتاجيته منخفضة، إضافة إلى ذلك يتعامل مع واجبات العمل كما كان يتعامل مع واجبات الكلية والتدريب، "هناك من سيتصرف في آخر المسار"، والخسارة لن تتعدى درجة أو درجتين يمكن تعويضهما في الاختبار النهائي، وليس من الضروري الحصول على الدرجة الكاملة، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وهذا التفكير لا يناسب القطاع الخاص أبدا حيث أن التقرير الخاطئ يقود إلى قرار خاطئ، والتقرير الذي لا يأتي في وقته كأنه لم يأت أصلا، والمعلومة الناقصة قد تكون الفيصل بين الربح والخسارة، ولن يعوض عملك غيرك، وللأسف فإن أخلاق العمل لا يتم تدريسها في الجامعات، ولا يمكن للطالب التدريب عليها على رأس العمل.
القضية الثانية هي اللغة الإنجليزية، وهذه مشكلة في القطاع الخاص أساسا وليست في الجامعات. هناك اعتقاد خاطئ أن الطالب الذي يتخرج في الجامعة يجب أن يكون قادرا على الحديث والكتابة والتواصل باللغة الإنجليزية، وهذه لم أجد لها مبررا مقنعا في أعمال القطاع الخاص. فلقد وقفت شخصيا على شركات ومؤسسات تصر على أن يكون الحديث فيها باللغة الإنجليزية ولا يوجد سبب حقيقي وجوهري لذلك، وهذا المقال سيقف كثيرا أمام هذه الظاهرة. بالتأكيد لدينا مشكلة هوية، فرغم أننا نتحمس كثيرا لكينونتنا السعودية، ونفتخر بذلك جدا، بل ونعادي كل من يمس هذه الشخصية فينا، لكننا في واقع الحال متناقضون جدا في ذلك، فالشخصية السعودية تختفي في مناطق العمل وتحل محلها الشخصية الأجنبية، وتجد المستشفيات مثلا تعج بالشباب السعودي وبهذا نفتخر لكن لماذا الطبيب السعودي يتحدث باللغة الإنجليزية إلى ممرض سعودي أمام مريض سعودي أيضا؟ فالجميع سعودي الجنسية عربي اللسان في أرض سعودية تجمع بينهم اللغة الإنجليزية وليس من بينهم أجنبي أعجمي، وإذا كانت اللغة هوية فأين الهوية هنا؟ وهكذا نستمع بملل لاجتماعات العمل في شركة سعودية على أرض سعودية عربية والجميع يتحدث الإنجليزية، فأين السعودة على الحقيقة؟
إن أبرز مشكلات الشباب السعودي في الدخول إلى عالم القطاع الخاص يكمن في صعوبات اللغة. لكن ليست صعوبات اللغة العربية بل الإنجليزية، فلماذا يجب على الخريج أن يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة في مجتمع سعودي؟ السبب بسيط جدا وهو أن جميع العاملين في الشركات والقطاع الصناعي على وجه الخصوص أجانب يتحدثون اللغة الإنجليزية، هذه هي الصورة وهذه هي الصعوبة، خريج سعودي من مؤسسة التدريب لا يستطيع التواصل مع الأجنبي في المصنع، لهذا يجب أن نعلن كلنا وبصوت عال أن مؤسسات التدريب المهني فشلت في إعداد خريج مناسب، لكن هل هذا منطقي؟ هل هذه النتيجة منطقية مبنية على مقدمات منطقية؟ سعودي يتخرج في جامعة سعودية على أرض سعودية يجب عليه أن يتعلم الإنجليزية كي يتخاطب مع أجنبي في أرض سعودية، لماذا الصورة تبدو مقلوبة؟ لماذا لا يتعلم الأجنبي اللغة العربية حتى يتحدث مع الخريج السعودي في الجامعة السعودية؟ هناك ممانعة شديدة في القطاع الخاص ضد هذا تماما، وليس هناك منطق عقلي رصين بدليل علمي يؤيد أن يتحدث العربي اللغة الإنجليزية في أرض عربية كي يتواصل مع أجنبي "والأدهى والأمر أن يفرض عليه أن يتحدث بها ليتواصل مع عربي آخر". والمصيبة أن يصل الأمر إلى أن اللغة الإنجليزية ليست اللغة الأم لأي طرف "السعودي أو الأجنبي"، وهكذا تصبح الصورة موظفا سعوديا يتحدث الإنجليزية مع رجل فلبيني أو فلبيني يتحدث الإنجليزية مع رجل هندي، هنا تسأل نفسك لماذا؟
لعل كثيرا ممن يقرأ المقال قد سافر إلى أي جزء من بلاد الدنيا فإن ذهبت إلى روسيا فلن تجد من يتحدث معك الإنجليزية، وعليك تعلم الروسية إذا أردت أن تدخل جامعة أو حتى تعمل في بقالة، ولو كنت تريد زيارة ألمانيا فعليك التحدث بها ولو كنت تريد الجامعات الألمانية أو شركة هناك فعليك حتما أن تدخل معهد لتعلم اللغة الألمانية، وهكذا كلما اتجهت من شرق الأرض إلى غربها، فلماذا عليك أن تتعلم الإنجليزية وليست العربية إذا توقف في منتصف الطريق أي في السعودية.
إن ظاهرة الفجوة بين القطاع الخاص ومخرجات التعليم تقف هنا مشدوهة، فبينما يدعي القطاع الخاص أن أبناءنا غير قادرين على التحدث بالإنجليزية ولهذا لا يقبلهم العمل، فإننا نبحث في الجامعات عن سبب وجيه لتدريس طلابنا بهذه اللغة فلا نجد. وبينما يقف أبناؤنا الخريجون من كليات اللغة العربية في طوابير الباحثين عن عمل تجد معاهد تعلم اللغة الإنجليزية كالنار على علم، ولو أننا قلبنا الصورة قليلا، لو أننا أجبرنا كل الأجانب على التحدث باللغة العربية ولو أننا وضعنا مبادرة في المدن الصناعية وكل مكان وسعودنا اللغة والحديث في المصانع فإن أول ما سنحصده هو انتشار معاهد تعليم اللغة العربية في كل مكان وسيجد أبناؤنا وظائف سهلة وميسرة، وستنقلب كل معادلة التعليم والابتكار ونقل التكنولوجيا، فقط بسعودة اللغة.

إنشرها