المشراق

كذبة الأعرابي وبئر زمزم

جرت في السنوات الأخيرة أمور فيها من الغرابة والجرأة لا يمكن فهمها على أن بعض هذه الأمور ربما تحدث من بعض أبناء الجيل السابق في مراهقته وبدايات شبابه، لكنها تحدث سرا لا يكاد يعلم بها إلا أفراد قلائل، ويخجل صاحبها من فعلها لاحقا. أما اليوم وقبل سنوات فقد أصبحت تحدث علانية ويفاخر بها أصحابها حينا، ولا يبالون حينا آخر. وكثير من هذه التصرفات والأفعال تحدث في مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة. لم أفهمها واستنجدت ببعض الشباب والفتيان حتى يسعفوني في تفسير هذه الظاهرة. كما عدت إلى كتب التراث لأبحث عن قصص مشابهة لما يفعلون، ولجأت أيضا إلى محركات البحث، ولفت نظري قصة غريبة ينقلها كثير من الباحثين والكتاب والإعلاميين عن تاريخ أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597هـ) "المنتظم" حول أعرابي بال في بئر زمزم ليشتهر، أكرمكم الله وأجلكم، ورأيت المئات ينقلونها في الصحف و"تويتر" ومواقع الإنترنت وغيرها، كما ذكرت في خطب ومحاضرات مسجلة وبعضها على "اليوتيوب". فانصرفت عن فكرتي الأولى إلى دراسة هذه الرواية لمعرفة صحتها من عدمه.

الأعرابي المجهول
تقول روايتهم: ذكر ابن الجوزي في المنتظم: "بينما الحجاج يطوفون بالكعبة ويغرفون الماء من بئر زمزم، إذ قام أعرابي فحسر عن ثوبه، ثم بال في البئر والناس ينظرون، فما كان منهم إلا أن انهالوا عليه بالضرب حتى كاد أن يموت، فخلصه حراس الحرم منهم وجاؤوا به إلى أمير مكة فقال له: قبحك الله، لم فعلت هذا؟ فقال: حتى يعرفني الناس فيقولون هذا الذي بال في بئر زمزم". هذه الرواية نقلها المئات من المعاصرين في السنوات الأخيرة، وهناك رواية أخرى مشابهة للسابقة نقلها العشرات، وينسبونها إلى كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي، وتختلف في أن الأعرابي أجاب بقوله: "أردت أن أذكر ولو باللعنات".
قرأت الرواية السابقة وحرصت على التثبت من صحتها فبحثت في الكتابين السابقين: "المنتظــــم"، و"أخبـــار الحـمقى والمغفلين"، لكني لم أعثر على أثر للرواية، فشككت في نفسي، وأعدت الكرة مرة وأخرى، واستعنت بمن يساعدني، وأيضا لا أثر للقصة المزعومة. فهل أخطأ المئات وبعضهم من أهل العلم والمعرفة في نقلهم، يبدو ذلك، لأني لم أر أحدا منهم أشار إلى الطبعة التي اعتمد عليها أو رقم الصفحة والمجلد، فجميعهم دون استثناء يوردها دون عزو، وعلى الأغلب فقد تناقلوها عن بعضهم.
وخلال البحث عثرت على خبر فيه شبه مما يذكرون إلا أن هذا الخبر أورده أحد العلماء بعد زمن ابن الجوزي بقرنين من الزمان، وليس فيه التفاصيل الواردة في القصة السابقة، كما أن ليس فيه أي إشارة إلى الأعرابي، وموجز الحكاية أن رجلا يدعى محمد بن هلال النحوي ألف رسالة انتصر فيها لرأي العالم الصوفي الشهير محيي الدين ابن عربي في إيمان فرعون، وهو رأي شاذ يخالف إجماع العلماء، فرد عليه الشيخ القزويني وشنع عليه وقال: "إنما مثله مثل رجل خامل الذكر لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس، وفي المثل خالف تعرف". وقد ذكر الخبر أبو الثناء الآلوسي (ت 1270هـ) في تفسيره "روح المعاني"، ثم ذكره بعد ذلك جمال الدين القاسمي وغيره بالرواية نفسها. ولم يذكر أحد فيهم التفاصيل الواردة في الخبر المكذوب والمنسوب إلى ابن الجوزي. والأغلب أن القزويني إنما ضرب مثلا في كلامه ولم يرو قصة حقيقية، وربما سمع بخبر مثل ذلك، وعلى كل فهذا الخبر إن صح، ولا أظنه يصح، فإن الذي فعل هذه الفعلة الشنيعة على الأغلب هو شخص تزخر ثقافته وثقافة مجتمعه بموروث عبادة النار، وممن نشأ على الشعوبية وكره العرب، وكره دين العرب الإسلام الذي بعث به النبي العربي محمد- عليه الصلاة والسلام- للإنسانية كافة.
لقد عظم العرب كل العرب في جزيرة العرب، أهل المدر وأهل الوبر، حاضرتهم وباديتهم من شأن الكعبة وماء زمزم في الجاهلية، وزاد تعظيمهم بعد الإسلام. وقد استاء أحد الأعاجم وهو أبرهة الحبشة من تعظيم العرب للكعبة فقرر هدمها فعاقبه الله كما هو معروف في سورة الفيل.
إن محاولات الاعتداء المقصودة على الكعبة والحرم وزمزم في القصص الثابتة في تاريخنا كلها تروى عن أعاجم من ملة أخرى غير أهل السنة والجماعة، أما المسلمون المؤمنون من غير العرب فكانوا مثل العرب يعظمون الكعبة وبيت الله الحرام. ومن الأشعار الدالة على تعظيم العرب في الجاهلية للكعبة قول زنباع بن روح:
فوالله لولا الله لا شيء غيره
وكعبته راقت إليكم معاشري

وقول النابغة الذبياني:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته
وما هريق على الأنصاب من جسد

كما كانت العرب تعظم ماء زمزم ولذلك أسموها بمسميات عديدة تدل على تعظيمهم لها، فمن أسمائها عندهم: البشرى، والحرمية، نسبة إلى الحرم، والبرة، والبركة المباركة، وركضة جبريل، والشباعة، والرواء، والمضنونة، والميمونة، والمؤنسة. ويقول الشاعر النجدي الشهير الأعشى، ميمون بن قيس، صناجة العرب، وهو من شعراء الجاهلية:
فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا
ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم

إن القصة السابقة التي ينسبونها خطأ إلى ابن الجوزي، ويزعمون أنها حدثت أمام الناس أثناء الطواف حول الكعبة لو حدثت فعلا لتناقلها الناس وتواترت بينهم، ثم تناقلها المؤرخون لفداحتها وغرابتها وبشاعتها، لكن الحقيقة ألا أحد من الأوائل يعرفها، ولم ترد في أي كتاب من كتب التاريخ والتراث.

انتشار الأكاذيب
لقد انتشرت الأكاذيب في السنوات الأخيرة انتشارا كبيرا جدا، وساعدت التكنولوجيا على رواجها. ومن الواضح لي أن هناك أفرادا يقومون بصناعة هذه الأكاذيب دون مبالاة، ويبدو أن هدفهم هو السخرية من الأشخاص الذين يتقبلون الشائعات دون تحقيق وتدقيق. لكن الأخطر هو تلك الأكاذيب التي تصنعها مؤسسات أو أفراد لهم هدف من وراء صناعة الكذب؛ إذ يتضح لي من خلال قراءتي لبعض الأكاذيب التي انتشرت في السنوات الأخيرة، التي تتعلق بالأحداث التاريخية أنها أكاذيب موجهة، تهدف إلى الإساءة إلى دول بعينها، أو منطقة بعينها، كما يهدف بعضها إلى الإساءة إلى العرق العربي الأصيل، وهم حملة الدين واللغة وصناع الحضارة العربية الإسلامية. وليس لدي أدنى شك في أن بعض هذه الأكاذيب المصطنعة وضعت للإساءة إلى المملكة وإلى تاريخها ومجتمعها ورموزها قديما وحديثا.
ومن المؤلم أن ترى فضلاء من أهل العلم ينقلون هذه الأكاذيب عن حسن نية دون التفكير في مقاصدها، ورغم تفنيد عدد من هذه الأكاذيب في هذه الصفحة إلا أن أحدا منهم لم يعتذر عن نشرها، وأتمنى أن يسهموا في نشر الحقيقة، كما أسهموا عن حسن نية بنشر الأباطيل والخرافات والأكاذيب.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق