من أخطاء التفكير: الأولويات المقلوبة

|

لا شك في أهمية الترفيه بأنواعه كافة خاصة إذا كان بريئا، متفقا مع قيم ومبادئ المجتمع، كالترفيه الرياضي، والمسرحي، وترفيه السفر، خاصة في حياة الأفراد، والمجتمعات، فعلى مستوى الفرد ففيه كسر للروتين اليومي الممل، وفيه تخفيف من ضغوط الحياة الناجمة عن كثرة العمل، واستمراريته لفترة طويلة، وفيه سعة ثقافة؛ تتحقق بالسفر إلى أوطان أخرى، حيث اختلاف الثقافات، ونمط الحياة، والعادات، والتقاليد، والأنظمة، واللباس، والطعام، ونمط العمارة، والمتاحف، والمكتبات، ومراكز الوثائق وغيرها من الأنشطة الجاذبة، أما على المستوى الاجتماعي، فالترفيه يشكل موردا اقتصاديا أساسيا، هائلا، خاصة لبعض الدول التي تفتقد الثروات الطبيعية، كالمعادن، والبترول، والغاز، والغابات، أو ثروة المعرفة، والإبداع الصناعي.
الرياضة، خاصة كرة القدم تمثل إحدى الرياضات الجاذبة، وذات الشعبية الكبيرة على مستوى العالم؛ لما فيها من سحر، ومتعة، وفنيات، إلا أن التعلق الشديد بها، الذي يصل إلى حد الهوس، واعتبار ما سواها أقل أهمية، كما يعتقد البعض أن حضور مباراة للفريق المعشوق أمر لا يمكن التنازل عنه، حتى لو كان على حساب أمر أهم، وذي علاقة بتشكيل المستقبل، ذلك أن هذا التفكير يحتاج إلى وقفة تأمل، وتحليل، وتبصير بخطورة مثل هذا التفكير، لما يعنيه من عدم نضج في التفكير، وغياب الأولويات.
كثير من المباريات بين نوادي المملكة، سواء مباريات الدوري السعودي، أو مباريات كأس الملك، أو مباريات كأس ولي العهد تعقد خلال أيام الاختبارات، وهذا التوقيت مضر بالطلاب، مشجعي النوادي، فالطالب يعيش حالة صراع بين حضور مباراة ناديه ليستمتع بالحضور ويشجع، أو الجلوس في المنزل، والتحضير لاختباراته، وهذا بلا شك يعتمد على طريقة تفكير الفرد، والترجيح، والموازنة التي توجد لديه بشأن أهمية المتعة التي يجنيها من حضور المباراة، أو التأسيس لمستقبله من خلال الاهتمام بدراسته، إلا أن طريقة تفكير الفرد تتأثر بالبيئة المحيطة به إيجابا، وسلبا من خلال ما يسمعه، ويشاهده، أو يقرأه في وسائل الإعلام التقليدية، أو الحديثة.
في المباراة التي جرت بين نادي الاتحاد، أو ما يسمى بالنمور، ونادي النصر المعروف بالعالمي على ملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية بجدة على كأس الملك رفع أحد مشجعي نادي الاتحاد لافتة كتب عليها" بلا اختبارات بلا هم الاتحاد أهم" وبمشاهدتي هذه اللافتة شعرت بالاشمئزاز؛ نظرا لخطورة مثل هذا التفكير على الناشئة، سواء الذين في الملعب، أو من هم في البيوت يشاهدون المباراة، فتأثير عشق الفرد للنادي  إلى درجة تقديم حضور المباراة على الاستعداد للاختبار، الذي يؤسس لمستقبل الفرد تفكير مدمر، وخطير، مع إدراك أن من رفع اللافتة قد لا يكون طالبا، بل مشجعا يهمه حضور أكبر عدد ممكن من عشاق ناديه، لكن لا نستبعد التأثير الإيحائي لهذه اللافتة.
 لذا "العتب" على صاحب اللافتة؛ ليس بسبب قناعته بهذا الشيء، ولكن لسلوكه بين هذه الجماهير، والمشاهدين، وتجاهله التأثير السلبي، خاصة في صغار السن، كما يطول "العتب" المخرج الذي ركز على اللافتة، وأبرزها على الشاشة، فهو شريك في تحمل وزر الأثر السلبي الناجم.
من المؤكد أن لكل فرد قناعاته الشخصية، خاصة متى ما بقيت القناعات داخلية، ولا سيما القناعات ذات الأثر السلبي، لكن السعي لنشر القناعات بقصد، أو عن غير قصد أمر غير مقبول، ولذا لا بد من وضع قواعد، وأنظمة تردع مثل هذه الممارسات؛ للحد من آثارها السلبية، ولعل مسؤولي هيئة الترفيه يراعون هذا الأمر من خلال التوعية في الشاشات الموجودة في الملاعب، ومن خلال إصدار التعليمات المشددة لمنع هذه التصرفات، أما وسائل الإعلام فلا تعفى من مسؤولية عرض مثل هذه اللافتة، والأحرى بالمخرج تحليه بالشعور بالمسؤولية تجاه مشاهدي القناة، فهم أبناء الوطن، وبناته، يهمنا جميعا، مهما كانت مواقع عملنا، ومهننا نجاحهم، ومستقبلهم؛ بدل أن يتحولوا إلى عبء ثقيل يعاني مشكلاتهم الأمنية، ومشكلات البطالة في حال أهملوا تعليمهم - لا سمح الله.

إنشرها