عندما يكون «الصفر» ذا قيمة

|


في اليوم الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي دخلت الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني حيز التنفيذ وهي أقوى عقوبات تسنها الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الإيراني تاريخيا، وقد لاقت تأييدا كبيرا من عدد كبير من دول العالم خصوصا الدول التي تضررت من هذا النظام الإرهابي. أهم أهداف العقوبات هو وصول الصادرات الإيرانية من النفط إلى "الصفر"، لكن تفاجأ البعض من منح الولايات المتحدة الأمريكية استثناء لثماني دول من حظر استيراد النفط الإيراني، ووصف البعض هذا القرار بالمتناقض حيث إنه لا يتسق مع هدف الإدارة الأمريكية المعلن وهو وصول الصادرات النفطية الإيرانية إلى "الصفر"، وهناك من خلصوا فور صدور قرار الاستثناء إلى نتيجة نهائية غير قابلة للنقاش وهي أن واشنطن غير جادة في تنفيذ عقوباتها وأن الموضوع برمته لا يعدو كونه ورقة ضغط سياسية لن يتم تطبيق مضمونها على أرض الواقع.
في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كتبت سلسلة من المقالات بعنوان "العقوبات الأمريكية والاستثناء" وذكرت أن واشنطن عازمة وجادة في تنفيذ العقوبات والوصول إلى أهدافها وقطف ثمار نتائجها بتقنين الإرهاب وتجفيف منبعه الرئيس، لكن من الواضح أن واشنطن ترى أن الوصول إلى "الصفر" لابد أن يتم بتدرج محسوب؛ كي لا يؤثر ذلك في أسواق النفط وإمداداتها، ما سيدفع بالأسعار إلى الارتفاع بشكل قوي بسبب قلة المعروض وهو ما لا تأمله واشنطن. جاء تبرير موقف الإدارة الأمريكية واضحا في تصريح لأحد مسؤوليها لوكالة أنباء بلومبيرج؛ حيث قال: "حصول كبار المستهلكين للنفط على إعفاءات من العقوبات يسمح لهم بمواصلة شراء النفط من إيران؛ كون منع ذلك سيؤدي إلى ارتفاع واضح في مستوى أسعار النفط خلال الفترة المقبلة"، وأود أن أضيف هنا أن فترة الاستثناء تهدف أيضا لإعطاء بعض الدول المؤثرة سياسيا واقتصاديا في العالم فرصة لإيجاد البديل المناسب للنفط الإيراني.
في مطلع أيار (مايو) المقبل لن يكون هناك أي استثناء لأي دولة لاستيراد النفط الإيراني، وجاء هذا القرار على لسان مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، واختلفت ردود الأفعال ووتيرة حدتها من الدول التي تم استثناؤها سابقا. على سبيل المثال، الصين والهند اعترضتا على القرار، وتركيا أرعدت وأزبدت أنها لن تنصاع لهذا القرار وستستمر في استيراد النفط الإيراني. أرى أن جميعهم سيقبلون بالقرار الأمريكي حيث إن امتناعهم عن تطبيقه غير مبرر أبدا. صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبل أيام أن دولا من "أوبك" ستعوض أي نقص في الإمدادات النفطية وأن الأسواق النفطية ستكون مستقرة، تبع ذلك تصريح المهندس خالد الفالح وزير الطاقة بأن المملكة ستسخر جميع قدراتها لتعويض أي نقص وكان هذان التصريحان بمنزلة رسالة تطمين للأسواق العالمية وكان انعكاسها إيجابيا على أسعار النفط. إذن لا يوجد مبرر للدول التي تبحث عن تمديد الاستثناء، فبعد هذين التصريحين والتزام واشنطن وحلفائها بتعويض نقص الإمدادات النفطية الذي من المفترض أن يزيل سبب اعتراضهم على القرار، بعد هذه الرسائل التطمينية سيضع رفضهم علامة استفهام كبيرة حول موقفهم الحقيقي من النظام الإيراني. قريبا سيكون "الصفر" ذا قيمة وليس كمثله قيمة.

إنشرها