إخراج القطاع الخاص من الحضن الحكومي

|


نصل معا إلى المقال السادس والأخير، ضمن سلسلة مقالات متتالية، تمحور الحديث فيها حول البحث عن إجابة لسؤال المقال الأول في تلك السلسلة "كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة؟"، وما يواجهه القطاع الخاص في طريقه نحو تحقيق النمو والاستقرار، المؤهل إلى مساهمة ملموسة منه في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ومن ثم المساهمة في خفض معدل البطالة، ولتحقق بقية التطلعات التنموية المشروعة العديدة المأمولة منه، أؤكد أنه يواجه أربعة تحديات كبرى يتحتم عليه تجاوزها، للوفاء بما هو ملقى على كاهله من أدوار ومسؤوليات، تمثلت تلك التحديات الرئيسة فيما يلي:
(1) التستر التجاري.
(2) تشوهات السوق العقارية.
(3) سيطرة العمالة الوافدة على وظائفه.
(4) الاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكومي.
انتهى الحديث بصورة مفصلة عن التحديات الثلاثة الأولى "التستر التجاري، تشوهات السوق العقارية، وسيطرة العمالة الوافدة على وظائفه"، وتأكد لدينا أن القطاع الخاص ذهب ضحية التحديين الأولين "التستر التجاري، وتشوهات السوق العقارية"، فيما تأكد تحمل مسؤولية التحديين الثالث والرابع "سيطرة العمالة الوافدة على وظائفه، والاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكومي"، وأختتم في هذا الجزء الأخير بالحديث المفصل عن التحدي الرابع والأخير.
تلخيصا سريعا لما سبق استعراضه؛ تم الوقوف مع القطاع الخاص أمام التحديين "التستر التجاري، وتشوهات السوق العقارية"، نظير ما ألحقاه به من أضرار جسيمة، حيث تسبب "التستر التجاري" في إلحاق كثير جدا من الأذى بمنشآت القطاع، عبر قضائه على أبسط درجات المنافسة في السوق المحلية، وتحوله إلى خصم لدود تسبب إما في طرد المنشآت الوطنية من مختلف نشاطات الاقتصاد، أو بتقليص حصصها السوقية، في حين تسببت "تشوهات السوق العقارية" التي أدت إلى تحقق ارتفاعات قياسية على الأموال والثروات، إما عن طريق اكتنازها في مجرد أراض شاسعة، أو عن طريق خوض مضاربات محمومة على الأراضي، ما أفضى إلى زيادة اجتذاب أغلب الثروات محليا على حساب استثمار الفرص الاقتصادية والاستثمارية في القطاع الخاص، وعدم وجود أي منافسة بين سوق مكتظة بالتشوهات، لكنها تحقق عوائد قياسية، وبين سوق أخرى تخضع لتنظيم أكبر مقابل عوائد أدنى بكثير، ومن جانب آخر؛ انعكس التضخم الكبير في أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات سلبا على أداء القطاع الخاص، متسببا في رفع تكاليف التشغيل والإنتاج على القطاع، ليجد القطاع الخاص نفسه بين كماشتي تشوهات عقارية، لا قبل له بها بأي حال من الأحوال. ثم "سيطرة العمالة الوافدة على وظائف القطاع الخاص"، الذي سلم في ضوئه أرباب القطاع صناعة القرار وإدارته لأغلب منشآتهم للعمالة الوافدة، ملحقين بذلك أضرارا جسيمة بالاقتصاد الوطني وموارده البشرية، وتحول ما كان مجرد "اعتماد مؤقت" في مرحلة سابقة من عمر الاقتصاد الوطني، إلى ما يشبه الإدمان الشديد على العمالة الوافدة، دفع ثمنه الأكبر الموارد البشرية الوطنية، التي تقف اليوم على معدل بطالة يبلغ 12.7 في المائة، ويرتفع المعدل بارتفاع مؤهلاتهم العلمية إلى 18.0 في المائة لحملة الشهادة الجامعية، ويزداد المعدل ارتفاعا إلى 28.0 في المائة للشريحة الشابة عمريا بين 20 و29 سنة.
أصل أخيرا إلى التحدي الرابع "الاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكومي"، الذي شكل نمطا آخر من الإدمان المفرط لمنشآت القطاع الخاص على الإنفاق الحكومي الجاري والرأسمالي بشكل أكثر تحديدا، وعجزه عن النهوض بقاعدته الإنتاجية وتنوعها، إضافة إلى اعتماده المفرط على التحفيز الحكومي عبر خفض تكلفة استهلاكه للطاقة والموارد الناضبة محليا "تجاوزت فاتورة هذا الاعتماد المفرط والدعم والتحفيز للقطاع 5.3 تريليون ريال طوال ثلاثة عقود مضت"، والعجيب والغريب جدا أن القطاع الخاص يطالب باستمرار بهذا النزيف المالي الهائل من الدعم والعناية إلى ما لا نهاية، دون النظر إلى هل بإمكان وقدرة الدولة الوفاء به أم لا؟ ودون النظر إلى الآثار الوخيمة اقتصاديا وماليا واجتماعيا التي ستترتب عليها عند لحظة العجز التام عن الاستمرار فيه! وهي اللحظة من الزمن التي يتجاهلها تماما كل من له مصلحة متحققة من استدامة القطاع الخاص على تلك النمطية.
بالنظر إلى ما تستهدفه بصورة عامة البرامج التنفيذية لـ"رؤية المملكة 2030"، التي تسعى إلى أن يتحول القطاع الخاص على العكس تماما مما كانت عليه أوضاعه طوال خمسة عقود زمنية مضت، ليكون بنهاية عمر تلك "الرؤية الاستراتيجية" بحلول 2030، هو المصدر الأول والأكبر للنمو الاقتصادي، ولتمويل الميزانية الحكومية في جانب الإيرادات غير النفطية، وأن يكون الموظف الأول والأكبر للموارد البشرية الوطنية. وإننا حينما نقارن تلك المستهدفات الطموحة جدا بالوضع الراهن الذي هو عليه القطاع الخاص، وما كان معتادا عليه طوال عقود زمنية طويلة مضت، وأخذا في الحسبان ما يواجهه من تحديات جسيمة تمت الإشارة إليها سابقا ضمن هذه السلسلة من المقالات، فإننا بكل تأكيد نتحدث عما يشبه المعجزة المنتظر تحققها، ولا نتحدث مطلقا عن معجزة مستحيلة التحقق.
كما أننا نتحدث عن تحولات عميقة جدا، ستتزامن مع آلام شديدة الوطأة على كاهل القطاع الخاص، تشبه إلى حد بعيد إجراء عمليات انصهار لجميع منشآت القطاع الخاص، منها ما سيموت كنتيجة طبيعية، ومنها ما سيخرج للحياة من جديد بشكل أقوى وأعظم قيمة.
هذا يعني الكثير لمن يدرك ويفهم طبيعة أي تحولات إصلاحية يتم إجراؤها على اقتصاد حول العالم، فيما لن يرى هذه الصورة من اعتاد على الركود وعدم التطور والتغيير، وسيظل متعلقا بوهم البقاء على ما سيتجاوزه الزمن دون اكتراث أو اعتبار، وغائبا عنه حجم المكاسب الكبرى التي تنتظره في الطرف الآخر من النهر بعد عبوره.
ختاما؛ إن نجاح الأجهزة الحكومية في القضاء على التحديين الأولين "التستر التجاري، وتشوهات السوق العقارية"، يعني الكثير جدا في اتجاه تسهيل مهام ومسؤوليات منشآت القطاع الخاص، على مستوى تجاوزها للتحديين الثالث والرابع "سيطرة العمالة الوافدة على وظائفه، والاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكومي". بل إنه يعد أثقل وزنا، وأهم بمراحل عديدة من مجرد تقديم دعم مالي مباشر لتلك المنشآت، ذلك أنه سيسهم فعليا في تحقق التحول المستهدف للقطاع الخاص، عوضا عن مجرد مسكنات للألم ممثلة في الدعم المالي المباشر، الذي "الدعم المالي المباشر" قد تكون له آثار عكسية، تدفع بعض منشآت القطاع الخاص إلى التخاذل أو التأخر عن القيام بما يجب على طريق تحولها وتكيفها مع متطلبات التحول الاقتصادي. والله ولي التوفيق.

إنشرها