«لينكد إن» .. وأخطاء شركات التوظيف

|


مع انطلاق "رؤية المملكة 2030" وبرنامج هيكلة الجهات الحكومية ظهر عديد من الهيئات والمؤسسات الجديدة بمرونة أوسع في التوظيف من خلال شركات حكومية تم إنشاؤها لهذا الغرض، ولقد اتجهت الهيئات الجديدة إلى مثل هذا المسار في التوظيف لأمرين معا، الأول هو عدم استكمال تشكيل مجالس الهيئة في بداية المرحلة وكذلك كل عناصر الحوكمة الأخرى، وأيضا عدم استكمال اللوائح ذات العلاقة، ولأن التوظيف من خلال نظام الخدمة المدنية سيستغرق وقتا لهذا لجأت الهيئات إلى التشغيل من خلال الشركات الحكومية، والأمر الثاني أن هذه الطريقة منحت الهيئات حماية من مخاطر توظيف من لا ترغب فيه الهيئة، ولم أجد أفضل من عبارة "من لا ترغب فيه الهيئة" كتعبير عن الوضع الراهن في التوظيف، فلقد ضمن نظام الخدمة المدنية وبرنامج جدارة أن يتم اختيار الأنسب وفقا لشروط كل جهة، لكن مع ذلك تبقى مخاطر قدرة الموظف على الاندماج في بيئة العمل الجديدة في الهيئة أو عدم قدرته على الاستجابة لمتطلبات العمل في الهيئة، وهذه يصعب معرفتها إلا من خلال مراقبة أداء الموظف أثناء العمل، ولهذا فإن شركات التوظيف تمنح حماية من مخاطر التوظيف. لكن الحقيقة أن هذا أيضا محمي بالنظام الذي منح صانع القرار حق عدم التعيين إذا لم يستطع الموظف اجتياز السنة التجريبية له، لكن الجهات الحكومية تتحصن ضد التقاضي على قرار عدم التعيين من خلال شركات التوظيف، ولهذا فإن أفضل تفسير للطلب على خدمات شركات التوظيف ليس كفاءة التشغيل أو الجدارة بل فقط الحماية من مخاطر قرار توظيف السعودي.
لكن هذا المسار الذي اتجهت إليه الهيئات وانتشر حتى وصلت الحمى إلى بعض الوزارات المستقرة إداريا والمستكملة لوائحها كافة، وهذا أوجد نشاطا تجاريا للشركات المشغلة ولو كانت حكومية وأصبحت موردا ماليا للتنفيذيين فيها، ووفقا لأسلوب مؤشرات الأداء البائس تحولت المسألة من شركات حكومية تقدم خدمات مؤقتة لحل مشكلات آنية إلى شركات ربحية تبحث عن عقود طويلة الأجل وتقاس كفاءة إدارتها من خلال قدرتها على تعظيم الأرباح، وهو ما قاد إلى أن يصبح الحل المؤقت حلا دائما كما أن الشركات أصبحت توظف غير السعودي لأنه برواتب تنافسية عن مستوى التأهيل نفسه، وهذا يقلل مخاطر توظيف غير السعودي والتقاضي على شركات التوظيف أيضا، ثم حدث تحول أكثر خطورة فالشركات التي تقوم بالتوظيف لا تستخدم نظام جدارة المخصص تحت إشراف وزارة الخدمة المدنية، وبدلا من ذلك فإنها تستخدم شركات التوظيف الخاصة التي بدأت في الانتشار بشكل واسع ويقوم عليها غالبا موظفون غير سعوديين، وهكذا تتراكم المخاطر، فالتأكد من خبرات الموظف أصبح يأتي من خلال شركات توظيف لديها مصالح متعارضة وأهداف تعظيم الأرباح، كما أن آلية الاستقطاب غير شفافة، ولا أحد يعرف على وجه الدقة كيف يتم ذلك، وهذه مخاطر أكبر بكثير من خطر توظيف سعودي على نظام الخدمة المدنية وهو غير قادر على التأقلم مع متطلبات العمل، فهذه قد تحدث لكنها قليلة الاحتمال وتأثيرها منخفض، بينما المخاطر الأخرى التي أشرت إليها مؤكدة الحدوث وتأثيرها عال، ولهذا فقد تناقلت وسائل التواصل أمرا ملكيا بتصحيح المسار وألا يتم توظيف غير السعودي.
كي أوضح مشكلة شركات التوظيف الحالية وما يحدث فيها من أخطاء يمكن وصفها بعبارة "شر البلية ما يضحك" فهذه قصة لأحد الأصدقاء في هيئة ما، حيث يعمل فيها منذ ما يزيد على 20 عاما تقريبا، وشهد تحولات كبيرة فيها وفي أنظمة العمل ولديه خبرة واسعة جدا وتم ترشيحه في دورات متقدمة وبعثات مهمة فلما اشتد العود وبلغ الاستثمار فيه حد النضج وأصبحت العوائد أكبر من التكلفة تحولت الهيئة مع الإدارة الجديدة فيها إلى نظام التوظيف من خلال الشركة الحكومية وبالتأكيد فقد تم إقصاء أغلب الكادر القديم والتوجه نحو موظفين أجانب، وبعض الشباب السعودي المؤهل لكنه بلا خبرة تقريبا، يقول صديقي إنه تفاجأ بعد فترة من هذه التحولات باتصال من شخص يعرض عليه وظيفة مهمة في منصب مهم، وعند سؤاله عن طريقة المعرفة بالسيرة الذاتية تبين أنهم يعتمدون على موقع " لينكد إن"، ثم صعق عندما عرف أن الجهة التي تبحث عن الكفاءات في "لينكد إن" هي الهيئة التي يعمل فيها، والمنصب هو منصبه تقريبا، وبينما تعمل الشركة على إقصاء جميع الموظفين الذين استثمرت الدولة فيهم كثيرا تعمل أيضا على استقطاب لا معنى له تقريبا ومن خلال مواقع غير ذات مصداقية. هنا يمكن توضيح المأساة التي تمر بها بعض الجهات والهيئات اليوم، ولهذا فإن الأمر الملكي يعيد كل شيء إلى نصابه.
لقد منح الملك -رعاه الله- منذ تولى مرونة كبيرة للعمل الحكومي والأجهزة الحكومية للتحرر من قيود البيروقراطية الزائدة على الحد التي تعيق العمل، لكن ذلك لا يكون على حساب الموظف الكفء، والشباب المتحمس من خريجي الجامعات الذين لم يهتموا بوضع سيرتهم الذاتية في "لينكد إن" بينما هم حريصون على تحديث معلوماتهم كل أسبوع الذي يبدو وكأن الهيئات لم تبحث فيه عن جدير. لقد كان التوظيف في القطاع الحكومي بنائيا وليس انتهازيا، بمعنى أن التوظيف يأتي من القاعدة وفي كل جهة نقطة دخول للوظيفية ثم يتم التصعيد على المراتب حسب الخبرات، وتستقطب الجهة إذا لم يكن لديها خبرات كافية، بينما هناك فجوة وظيفية في مستوى معين، بينما القطاع الخاص انتهازي بطبعه يسعى إلى جذب الموظفين الأكفاء الذين استثمرت فيهم الحكومة لسنوات حتى الشركات الأخرى وذلك من خلال عروض يصعب على الآخرين منافستها، هكذا كانت العلاقة واضحة فالحكومة مصنع الخبرات والكفاءات الذي يبنى بجهود طويلة وتكلفة كبيرة بينما القطاع الخاص انتهازي لا يرغب في تحمل تبعات المخاطرة في بناء القدرات فيقطف الثمرة الجاهزة، لكن تبدو الصورة مربكة اليوم مع الشركات الحكومية المشغلة والمعادلة خاطئة تحتاج إلى إعادة حل.

إنشرها