الآمر الناهي في القطاع الخاص

|

تجاوزنا معا خلال أربع مقالات سابقة، محطات نقاش واسعة دارت حول "كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة؟"، وصلت إلى أن القطاع الخاص يواجه- في طريقه نحو تحقيق النمو والاستقرار، المؤهل إلى مساهمة ملموسة منه في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وفي خفض معدل البطالة وغيره من التطلعات التنموية المشروعة- أربعة تحديات كبرى؛ (1) التستر التجاري. (2) تشوهات السوق العقارية. (3) سيطرة العمالة الوافدة على وظائفه. (4) الاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكومي.
تم الحديث بصورة مفصلة عن التحديين الأول والثاني "التستر التجاري، تشوهات السوق العقارية"، وتأكد لدينا أن القطاع الخاص ذهب ضحية لهما، فيما يأتي الحديث الآن عن التحدي الثالث "سيطرة العمالة الوافدة على وظائف القطاع الخاص"، وهو التحدي الذي يتحمل مسؤوليته القطاع الخاص، سواء كداء استفحلت آفاته في جسد القطاع، أو على مستوى العلاج والاستطباب منه، ومعه أيضا التحدي الرابع والأخير، الذي سيستكمل الحديث عنه بالتفصيل لاحقا بمشيئة الله تعالى.
كان الوقوف مع القطاع الخاص تجاه التحديين "التستر التجاري، تشوهات السوق العقارية"، لما ألحقاه من أضرار بالغة السوء على كاهله، وهنا سيكون الوقوف في مواجهة القطاع الخاص ذاته، بالحديث عن "سيطرة العمالة الوافدة على وظائف القطاع الخاص"، كون أربابه قد قاموا بتسليم صناعة القرار وإدارته لأغلب منشآتهم في يد العمالة الوافدة، ما ألحق بدوره أضرارا بالغة أيضا على الاقتصاد الوطني وعلى موارده البشرية، وتحول ما كان مجرد "اعتماد مؤقت" لمرحلة زمنية قديمة من عمر الاقتصاد الوطني قبل خمسة عقود مضت، إلى حالة من الإدمان العميق على تلك العمالة الوافدة، كانت الموارد البشرية الوطنية الطرف الأكبر دفعا لتكلفتها الباهظة جدا، سواء من حظي بفرص هامشية في منشآت القطاع الخاص، وخضع لكثير من الممارسات المخالفة تحت سطوة القياديين والمديرين من العمالة الوافدة، أو من لم يحظ بفرص العمل في القطاع الخاص، منتظرا خارج أسواره على رصيف العاطلين عن العمل، وأنى له الفوز بفرصة وهناك من قد عض عليها بالنواجذ عقودا طويلة.
أذكر بالمربع الأول من هذا الحديث الطويل، أنه يتمحور حول "كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة؟"، وأن أحد أكبر أربعة تحديات تقف أمام تحقق هذا الطموح، هو ما أتحدث عنه هنا، المتمثل في سيطرة العمالة الوافدة على وظائف القطاع الخاص! ولطالما كان هذا المحور هو أساس وصلب أي نقاش جرى ويجري حول أسباب ارتفاع معدل البطالة، ولماذا غالبا ما تفشل برامج التوطين؟ وكيف لها أن تنجح ومن يتلقفها في الطرف الآخر من القطاع الخاص، هو نفسه المستهدف بالتخلص منه وإحلال مواطن أو مواطنة مكانه؟!
تتلخص حالة التوظيف في القطاع الخاص وفقا لأحدث ما أظهرته بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، في أن الوظائف الأدنى أجورا ومهارة التي كانت مشغولة بعمالة وافدة، في الغالب لا يمكن أن يتم إحلالها بمواطنين ومواطنات، وهو الأمر الذي طالما تم الحديث عنه والتركيز عليه منذ بدأت وزارة العمل بتنفيذ برامج نطاقات، وأن التوظيف الذي شهدته هذه الوظائف خلال فترة ماضية 2012 - 2015 كان في الأغلب عبارة عن توظيف وهمي، بدأت سوق العمل المحلية منذ مطلع الربع الأول 2016 بالتخلص منه وما زال مستمرا حتى تاريخه، كما تؤكد البيانات الأخيرة للتأمينات الاجتماعية، وهو ما يفسر وصول الوظائف المفقودة في تلك الشريحة من الأجور الشهرية المتدنية خلال 2016 - 2018 إلى نحو 136.5 ألف وظيفة كان يشغلها مواطنون ومواطنات، مقابل ارتفاعها في الوظائف الأعلى دخلا بأكثر من 116.2 ألف وظيفة.
وأن برامج التوطين السابقة قصرت عن تحقيق أهدافها المأمولة، كونها لم تفرق منذ تصميمها بين الفروق المهمة للوظائف والمؤهلات والخبرات اللازمة لها، ولهذا شهدت سوق العمل المحلية قصورا في توطين الوظائف الأعلى دخلا، مقابل استمرار احتفاظ العمالة الوافدة بمواقعها الوظيفية، إن لم يكن قد ارتفع في الغالب منها حسب النشاطات المختلفة، بل ارتفع في المناصب القيادية والتنفيذية لدى منشآت القطاع الخاص لمصلحة العمالة الوافدة، على حساب العمالة الوطنية، وهو الأمر الذي غاب عن آليات برامج التوطين السابقة وما زال غائبا حتى تاريخه، واستمر كذلك حتى مع تطبيق رسوم العمالة الوافدة، دون أن تفرق بين الوظائف الدنيا والأقل دخلا شهريا من جانب، ومن جانب آخر الوظائف المتوسطة والعليا ذات الدخل الشهري الأعلى.
تمتلك وزارة العمل وبقية الأجهزة المعنية بسوق العمل المحلية، كثيرا من المفاتيح والأدوات التي سيؤدي تفعيلها إلى زيادة وتوسيع فرص العمل أمام المواطنين والمواطنات، جزء من تلك الأدوات أصبح نافذ العمل به، وجزء آخر قد يكون أكبر وأثقل وزنا لم يتم العمل به حتى تاريخه، ولعل توطين الوظائف ذات الدخل الأعلى، والوظائف التنفيذية والعليا، من أهم الأدوات التي غابت عن التفعيل بالشكل الكافي واللازم، وهي التي لو وجدت تركيزا أكبر من قبل وزارة العمل، على خلاف الوضع الراهن الذي ينتظر مبادرة من أرباب منشآت القطاع الخاص، وهي المبادرة التي يتأكد لدى وزارة العمل قبل غيرها من الأطراف، أنها لم تأت ولن تأتي!
وليتحقق لدينا تقدم حقيقي على طريق توطين فرص العمل في القطاع الخاص، لا بد من التركيز على: (أولا) تصميم برنامج توطين يستهدف توطين الوظائف حسب مستوياتها الإدارية العليا والتنفيذية، مع الأخذ في الحسبان مستويات الأجور، عوضا عن البرامج الراهنة التي تركز فقط على الكم أكثر من النوع، ولا تفرق بين الوظائف الملائمة ذات الجاذبية الكبرى بالنسبة للعمالة الوطنية، وغيرها من الوظائف الدنيا التي لا تحظى في الأصل بأي طلب من العمالة الوطنية. (ثانيا) تعديل آلية احتساب الرسوم على العمالة الوافدة ومرافقيهم والتابعين، لتتحول إلى نسبة من الأجر المدفوع للعامل الوافد عوضا عن آليتها الراهنة كمبلغ ثابت، وقع تأثيره الأكبر على المستويات الدنيا للعمالة الوافدة، دون تأثير ملموس في العمالة ذات الأجور الأعلى. 
ختاما؛ إن لم يحدث تغيير ملموس على تلك المستويات العليا في أغلب منشآت القطاع الخاص، والتغيير المقصود هنا هو زيادة توطينها وإشغالها بالكفء من الموارد البشرية الوطنية، فإننا سنبقى طويلا في منطقة الدوران حول أنفسنا، وسنبقى نواجه معدل بطالة مرتفعا، وسنستمر جميعا في هدر كثير من الموارد والجهود، ولن تجدي بأي حال من الأحوال أية محاولات للالتفاف حول هذا الانسداد في قنوات تمرير قرارات وبرامج التوطين إلى القطاع الخاص. والله ولي التوفيق.

إنشرها