«دردشة» نفطية

|

هناك كثير من الكلام حول النفط. ويبدو لي أن هذه المادة العجيبة ليست فقط الوقود الذي بواسطته نتحرك ونطير ونشغل أدواتنا المنزلية ونشحن أجهزتنا الرقمية. 
لقد صار النفط اليوم مادة "للدردشة"، حيث يكثر الكلام ويختلط، ويتناوله الساسة والصحافيون في مجالسهم ووسائل التواصل مع بعضهم بعضا ومع جمهورهم. 
نحن لسنا أمام "دردشة" عابرة. "دردشة" النفط ثقيلة ليس فقط على الأذان بل الأبدان والمجتمعات والدول.
ومن هنا وضعت مفردة "الدردشة" بين علامتي التنصيص، لأن الحديث العابر عن النفط ربما ليس مثل الحديث العابر عن أي شيء آخر في عالم اليوم.
واستخدامي لمفردة "الدردشة" توصلت إليه وأنا أتصفح أخبار النفط، والتحاليل والتقارير التي وردت في الأسبوع الماضي؛ بغية تلخيصها وتحليلها لقراء جريدتنا الغراء.
ولن أدعي أنني قرأت كل ما كتب عن النفط في الأيام السبعة الماضية، بيد أنني صرفت وقتا طويلا، وأنا أتنقل بين الصحف والوكالات والمواقع بحثا عنه وأخباره.
وأستطيع القول إنه من الصعوبة بمكان التعامل مع "دردشة" النفط في الأسبوع الماضي بشكل منسق ومنطقي، يساعدنا على التنبؤ لما ستكون عليه الأحوال فيما بقي من عامنا هذا، أعني عام 2019. وهذا ليس أمرا غريبا لأننا نعيش عالما لا قرار له وفيه من المتغيرات الكثير.
وأنا ألخص ما قرأته، ومحاولا وضع ما توصلت إليه ضمن سياقه للفائدة العامة، أنصح بعدم أخذ أي من استنتاجاتي محمل الجد. وضع السوق فيه من التعقيد ما يجعل تقريرا ما سيحدث في الأشهر الثمانية المقبلة أمرا عسيرا حتى على دهاة المحللين والباحثين في أرقى المراكز البحثية.
و"الدردشة" مستقاة من مراكز علمية رصينة ومصارف عالمية؛ بمعنى آخر لا غبار على مصداقية إسناد المعلومة وطريقة معالجتها في المقالات والأخبار التي قرأتها.
لنأخذ الأسعار المتوقعة للنفط والتنبؤات لما ستكون عليه حتى نهاية عامنا هذا.
تنقل المقالات التي قرأتها عن مختصين ومؤسسات تعني بشؤون النفط واستثمارات الطاقة أن سعر البرميل قد يمس 100 دولار.
من جهة أخرى، هناك من يقف في الطرف المعاكس تماما ويتوقع أن تهوي الأسعار إلى 40 دولارا.  وهؤلاء أيضا يسندون توقعاتهم إلى مختصين وباحثين ومؤسسات ومراكز بحث عالمية.
وكذلك قرأت مقالات تتوقع أن تبقى الأسعار في مدارها الحالي (نحو 70 دولارا) حتى نهاية العام، كل هذا نقلا عن مصادر رصينة.
ووقعت عيناي على مقالات ترى مصادرها أن النفط في طريقه إلى سقف 80 دولارا للبرميل في الأشهر المقبلة من عام 2019.
هذه أربعة سيناريوهات مختلفة لمسار الأسعار في هذا العام. وكل سيناريو له من الدلائل والبراهين والإسناد ما يجعل الناس تصدق ما تقرأه.
وكيف لا يصدق المرء أن الأسعار في طريقها إلى النزول، وهو يقرأ تصريحا منسوبا إلى وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف يحث فيه إطلاق العنان للإنتاج، وعدم التشبث بالاتفاق مع "أوبك" حول تخفيض الحصص. يخشى الوزير على أسواق بلاده من تنامي الصادرات النفطية الأمريكية.
ومن ثم ينقل عن الوزير الروسي أن أمريكا تحارب المنتجين التقليديين الذين عليهم رد الصاع بتخفيض أسعار النفط الى 40 دولارا، المستوى الذي- حسب رأيه- سيخرج النفط الصخري أو معظمه من السوق العالمية.
والمقالات التي تتوقع صعودا للأسعار تستند في الغالب إلى تقليص في الإمدادات؛ نتيجة لصراعات جيوبوليتِكية تخوض غمارها دول نفطية مثل ليبيا وفنزويلا وإيران وغيرها. هؤلاء الكتاب ومصادرهم يقولون إن الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط في أمريكا التي صارت رقما صعبا في المعادلة الهيدروكربونية لن تعوض عن فقدان الإنتاج في هذه البلدان وتنامي الطلب في دول مثل الصين والهند.
ومن المحللين من يضع تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الحسبان، ورغم أنها لم يعد لها المفعول ذاته كالسابق على الأسعار، فلا تزال عاملا يؤدي أحيانا إلى ارتفاع مؤشرها.
مهما كان من أمر، لم يعد بمقدور المنتجين التقليديين ومعهم المحللون عدم الاكتراث لأمريكا وثقلها النفطي الذي أحدث تغييرات جوهرية في أسواق النفط العالمية. في غياب عوامل تحد أو تقلص معدلات الإنتاج الصخري، فإن أمريكا في طريقها إلى أن تنتج أكثر من روسيا والسعودية مجتمعتين في غضون خمس سنوات وتصدير نحو أربعة ملايين برميل في اليوم.
لا أعلم إن كانت "دردشة" رسالة هذا الأسبوع حول النفط قد فتحت العيون على ما تخبئه لنا هذه السلعة السحرية. ولكن إن عرج علي قارئي الكريم بعد انتهاء قراءته للمقال طالبا موقفا محددا من "الدردشة" هذه، فسيكون جوابي: "لست أدري".

إنشرها