«غوتشي» ومصانع الأسمنت ومصانع المياه

|

في الثمانينيات من القرن الماضي قررت دار الأزياء الفاخرة التي تصنف من بين أرقى العلامات التجارية "غوتشي" Gucci التوسع وزيادة مبيعاتها عبر الاستفادة من اسمها ومنتجاتها الفاخرة، بإطلاق استراتيجية شرسة وقوية هدفها زيادة المبيعات، وكي تحقق هذا الهدف عملت على إضافة حزمة من المنتجات رخيصة الثمن وذات جودة أقل، وعملت على تسويقها بشكل كبير في المراكز التجارية ومراكز البيع في المطارات، ما الذي حدث بعد ذلك؟ نجحت الاستراتيجية بشكل ممتاز حلقت المبيعات كما توقعتها الشركة لكن كان ثمن هذا التوسع باهظا على الشركة، هذه الاستراتيجية التي لم تميز ولم تراع فصل اسم "غوتشي" كعلامة راقية لمنتجات باهظة الثمن وجودة ممتازة عن المنتجات الرخيصة وذات الجودة الأقل كلفت الشركة تراجع هوامش الربحية بسبب هبوط مبيعاتها من المنتجات الأكثر ربحية وهي المنتجات ذات الجودة الأعلى والغالية، هذا أدى إلى تراجع الهوامش وانخفاض الأرباح رغم ارتفاع المبيعات، وفوق كل هذا تأثر اسم الشركة كواحدة من الشركات الأرقى في العالم، ما جعل الشركة تحتاج إلى سنوات طويلة لتتعافى من هذا التشويه.
مثال آخر من اقتصادنا المحلي، خلال العقد الماضي وإثر ارتفاع الإنفاق الحكومي قررت أغلب شركات الأسمنت التوسع وزيادة خطوط الإنتاج لمواكبة الطلب القوي وفي الوقت نفسه تم الترخيص لعدد جديد من شركات الأسمنت، ما أدى إلى ظهور طاقات إنتاجية كبيرة خلال السنوات اللاحقة لكن ومع استمرار الإنفاق لم تكن المشكلة ظاهرة للعيان إلا بعد أول هزة وتوقف الإنفاق الحكومي، وجدت هذه الشركات نفسها أمام واقع مرير وصعب أدى إلى هبوط في المبيعات والأرباح كل سنة بنسب كبيرة. مثال آخر، خلال آخر خمس سنوات اجتاحت قطاع مصانع المياه موجة من الاستثمارات والتوسعات قادت لظهور عديد من الأسماء والمصانع الجديدة وفي الوقت نفسه قيام عديد من المصانع القديمة بزيادة خطوط الإنتاج، ما أعطى طاقات إنتاجية عالية في السوق منذرة بقدوم مشكلة كبيرة وحدوث خلل لهذه السوق، وفعلا مع أول هزة في الطلب عبر مغادرة كثير من المقيمين للبلد، حدث المتوقع وبدأت هذه الشركات في المعاناة في البيع وكنتيجة طبيعية بدأت بحرب الأسعار وإقفال بعض خطوط الإنتاج بسبب عدم القدرة على بيعها في السوق، وقد نرى بعضها يخرج من السوق إن لم يتحسن الوضع.
كل هذه الأمثلة وإن كانت القطاعات تختلف والأسباب كذلك، إلا أنها يجمعها شيء واحد وهو أن التوسع خطير إذا لم يكن مدروسا بعناية من ناحية تكلفة التوسع كما في مثال "غوتشي" أو من ناحية الوقت وحجم السوق كمثال شركات الأسمنت والمياه، كثير من الشركات تكون بدايتها ممتازة لكن عندما تجتاح الحماسة أو الرغبة في تحقيق معدلات نمو عالية كي تتم مكافأة المديرين يتم اتخاذ مثل هذه القرارات المميتة في كثير من الأحيان وتقضي على الشركات، نعم التوسع والنمو مطلوبان ومرغوبان لكن يجب دراستهما ويجب أن نعرف ما هي تكلفة هذا التوسع أو النمو؟ لا يوجد نمو دون تكلفة، إذا كان معدل ارتفاع التكلفة أقل من معدل النمو فهذا يشجع مبدئيا على القرار، وإذا كانت مساهمة النمو بزيادة هوامش الربحية أو على الأقل المحافظة عليها فهذا يساعد أكثر على اتخاذ قرار النمو، كذلك يجب مراجعة وضع السوق ومستوى الطلب والعرض الحالي والمستقبلي، قد تكون هنالك توسعات كبيرة من المنافسين، ما يؤدي إلى زيادة المعروض وبالتالي التحول في المنافسة إلى حرب أسعار وهذا أكثر ما يخشاه المستثمر.
قبل التوسع يجب أن تعرف في أي مرحلة من مراحل الدورات الاقتصادية يمر بها قطاعك، هل هو في مرحلة النمو أم التشبع أم الانحدار؟، هنالك مراحل يمر بها أي قطاع تبدأ من النمو وفيها تبدأ السوق بنمو الطلب بنسبة أعلى بكثير من العرض، ثم تصل الدورة إلى القمة وفيها يتساوى الطلب مع العرض وتجذب السوق مستثمرين جددا إلى هذا القطاع، ثم تنتقل الدورة إلى التراجع بسبب زيادة العرض على الطلب، حتى تصل إلى القاع وعندها تستقر الموازين لكن مع خروج كثير من المنافسين ثم تعيد الدورة النمو مرة أخرى وهكذا، هذه الأخطاء دائما تتكرر ونشاهدها في كل القطاعات، ولا أعتقد أنها ستغير من طبيعة الأسواق، لذلك أكرر التنبيه إلى أهمية مراجعة خطط التوسع ولا تجعل ضغوط المنافسة وتحقيق مبيعات عالية تعميك عن المستقبل ووضع السوق، وبالتالي قد تخسر نشاطك لا سمح الله في نهاية الأمر.

إنشرها