المضاربون يسهمون في رفع السعر .. أيضا

|

في الأسبوع الماضي، قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، مدفوعة بارتفاع حاد بسبب انقطاع العرض، والاضطرابات الجيوسياسية، وتلكؤ قطاع النفط الصخري.
أحدث الاضطرابات الجيوسياسية هي اندلاع معارك مفاجئة في ليبيا بين الفصائل المتناحرة. لقد أدى الهجوم الذي شنه ما يعرف بالجيش الوطني الليبي على طرابلس إلى ارتفاع أسعار النفط في بداية الأسبوع الماضي، حيث إن الأسواق توقعت احتمال حدوث انقطاع كبير في الإمدادات.
المرفق الأكثر تعرضا للخطر هو محطة تصدير النفط بالقرب من طرابلس. إذا ما تم إغلاق هذا الميناء بسبب القتال، فقد تشهد الأسواق انقطاعا في الإمدادات يصل إلى 300 ألف برميل يوميا. إن أسواق النفط تعاني بالفعل تشددا في المعروض، لذلك إذا انخفض العرض من ليبيا أيضا، فسيصبح العجز في العرض أكبر. لذلك قفز خام برنت إلى أكثر من 71 دولارا للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 64 دولارا على وقع هذه الأخبار، وهو أعلى مستوى لها في خمسة أشهر. 
ومن المثير للاهتمام، أن المضاربين على النفط الخام قد تحولوا أخيرا إلى الاتجاه الصعودي وعززوا مواقعهم في أسواق العقود الآجلة. في هذا الجانب، قال بنك ستاندرد تشارترد الاستثماري في تقرير له في التاسع من نيسان (أبريل): "في الواقع، يشير مؤشر تحديد المواقع لمديري الأموال لدينا إلى أن أموال المضاربة على النفط انتقلت فقط في الأسبوع الماضي من الحيادية إلى الإيجابية". وأضاف البنك الاستثماري أن كبار المستثمرين بدأوا فقط في الأيام القليلة الماضية بأخذ المخاطر الجيوسياسية في تعاملاتهم، بعد التغاضي عنها خلال معظم هذا العام. وأضاف أيضا: "إن أمن إمدادات النفط الليبي منخفض، والإنتاج قد ينخفض على المديين القصير والمتوسط". 
وفي الوقت نفسه، بالفعل بدأت صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة في التباطؤ. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأسبوعية إلى أن إنتاج الولايات المتحدة بلغ 12.2 مليون برميل يوميا في الأسبوع الماضي، بارتفاع قدره 100 برميل يوميا عن الأسبوع السابق. في حين وجدت البيانات الشهرية الأكثر دقة أن الإنتاج الأمريكي انخفض فعليا في كانون الثاني (يناير) بمقدار 90 ألف برميل يوميا، ما يقدم دليلا قويا على التباطؤ.
لا يزال معظم المحللين يرون نموا قويا في الإمدادات الأمريكية هذا العام، لكن المكاسب تباطأت بشكل ملحوظ. في هذا الجانب، نظر "ستاندرد تشارترد" إلى معدل نمو الإنتاج لثلاثة أشهر، ووجد أنه يظهر تباطؤا واضحا في نمو الإنتاج الأمريكي خلال العام الماضي. فقد أشارت الأرقام إلى أن نمو الإنتاج على أساس معدل ثلاثة أشهر وصل إلى ذروته عند 861 ألف برميل في اليوم في آب (أغسطس)، وانخفض منذ ذلك الحين، ليصل إلى 140 ألف برميل في اليوم في آذار (مارس).    
من جانبه يتوقع بنك جولدمان ساكس أن تستمر هذه العوامل الصعودية في التأثير في الأسواق. حيث قال في تقرير له صدر أخيرا: "نتوقع أن يستمر تأثير هذه العوامل خلال الربع الثاني من عام 1919؛ مدفوعا بتخفيضات أوبك وحلفائها، وتسارع النشاط العالمي بشكل متتابع، وتشديد العقوبات الأمريكية على فنزويلا وإيران، وتباطؤ نمو إنتاج النفط الصخري في الوقت الحالي". ومع ذلك، قال البنك الاستثماري إن الأسعار قد تبدأ في الانخفاض في النصف الثاني من العام، حيث قد تبدأ "أوبك" وحلفاؤها بإرخاء قبضتها على تخفيضات الإنتاج، وينتعش نمو النفط الصخري في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، يمكن لبعض المشاريع "ذات دورة التطوير الطويلة" أن تبدأ في الإنتاج في عام 2020، ما دفع «جولدمان» إلى خفض توقعاته لمعدل أسعار برنت إلى 60 دولارا للبرميل في العام المقبل.
في الواقع، بينما تتحرك أسواق النفط بشكل كبير في اتجاه تصاعدي، لا يعتقد جميع المحللين أنها ستستمر. حيث قال بعض المحللين "المزاج العام في السوق يتجه نحو الارتفاع بشكل متزايد، لكن عديدا من عوامل الهبوط قد تقف في طريق ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة". بالفعل لقد أشارت روسيا إلى استعدادها لرفع إنتاج النفط بدءا من حزيران (يونيو). لا تزال أسعار الوقود عالية في الأسواق الناشئة، وضعف العملات المحلية يفاقم من ارتفاع أسعار النفط. في هذا الجانب أيضا، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتدى سانت بطرسبيرج إنه يشعر بالارتياح بمستوى الأسعار الحالي، وهذا يوحي بأن بلاده لا تؤيد فكرة تمديد تخفيضات الإنتاج. كلما ارتفعت الأسعار، خاصة خلال فترة زمنية قصيرة، زادت احتمالية رفع الإنتاج. لكن من الواضح أن السعودية تريد التمسك بالتخفيضات، حيث ما زالت حذرة من التراجع الكبير الذي حدث العام الماضي. في حين أن روسيا تبدو أقل حرصا ولم تتعلم الدرس بعد. 
وفي الوقت نفسه، لا تزال بعض المخاوف بشأن الاقتصاد العالمي قائمة. في هذا الجانب، حذر صندوق النقد الدولي من تباطؤ النمو، وتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.3 في المائة هذا العام، بانخفاض من 3.6 في المائة العام الماضي. تتمثل إحدى نقاط الضعف الواضحة في أن حقيقة عملات الأسواق الناشئة تتخلف كثيرا عن الارتفاع في أسعار السلع والأسهم العالمية. وقد أدى استمرار ارتفاع أسعار النفط، وقوة الدولار الأمريكي إلى الضغط على مجموعة من العملات، وسيؤدي ضعف العملات المحلية إلى ارتفاع أسعار النفط الخام في عديد من البلدان. وهذا بدوره قد يضعف الطلب على النفط. 
ومع ذلك، فإن انخفاض الإنتاج في إيران وفنزويلا، والمخاوف من انقطاعات كبيرة في ليبيا، في وقت تباطأ فيه نمو إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، مزيج قوي يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة مدعومة بزيادة نشاط المضاربين في الأسواق الآجلة. في الواقع، إن تشدد الأسواق حقيقي، لكن الأسعار قد لا تزيد أكثر بكثير من مستواها الحالي. في هذا الصدد قال "جولدمان ساكس"، ليس من المتوقع عودة الأسعار إلى مستويات 80 دولارا للبرميل مرة أخرى. 

إنشرها