«دراما» عقارية في بريطانيا

|

حتى بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، كان هناك اعتقاد في الأوساط الاقتصادية على الساحة الدولية، بأن العقارات البريطانية تبقى متماسكة، ولا سيما عقارات العاصمة لندن، وأنه مهما كان الأثر السلبي للأزمة في سوق العقارات، إلا أنها ستعود مجددا وخلال فترة بسيطة إلى الصدارة. فالعقارات البريطانية تبقى الأكثر جذبا للاستثمارات الأجنبية مقارنة بغيرها، كما أنها كانت تتمتع بمرونة قانونية وإجرائية سابقة "لم تعد موجودة حاليا" أسهمت في تمكين هذه العقارات وإبقائها على رأس التنافسية. ففي لندن يمكنك أن ترى مالكي عقارات من دول لم يسمع كثير من البريطانيين بها أصلا. عقارات متوسطة إلى أكثر من فاخرة، بحيث وصلت قيمة إحدى الشقق السكنية وسط المدينة إلى 150 مليون جنيه استرليني في يوم من الأيام. إنه سعر جنوني حقا، لكنه موجود على الساحة. 
لكن الأوقات تتغير، وعقارات بريطانيا - ولا سيما لندن - تتلقى الضربة تلو الأخرى من هنا وهناك، إلى أن جاءت ضربة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، التي أضافت مزيدا من الدراما العقارية إلى هذه المدينة الجاذبة. فعدم اليقين حول مستقبل بريطانيا مع الاتحاد، والفوضى السياسية العارمة في مقدمات الخروج، وانقسام بريطانيا نفسها بين مؤيد للخروج وداعم للبقاء، فضلا عن انقسام معطل فعلا في مجلس العموم البريطاني. كل هذه العوامل أضافت كثيرا من الضباب إلى أجواء السوق العقارية البريطانية. وقبل صدمة "بريكست"، سنّت الحكومة سلسلة من التشريعات التي صعبت عمليا مسألة شراء عقار في بريطانيا، ناهيك عن قوانين الملاحقة المالية لأي جهة أو شخص يشتري عقارا دون أن يبرر مصدر أمواله. 
وهذه النقطة الأخيرة، أسهمت بالفعل في هرب نسبة كبيرة من المستثمرين في العقارات البريطانية. فهؤلاء لا يريدون أن تفتح ملفاتهم المالية بسبب عقار، بصرف النظر عن مدى أهمية هذا العقار، أضف إلى ذلك، أن الحكومتين الحالية والسابقة، فرضتا ضرائب على العقارات غير المسكونة، في إطار استراتيجية توفير المساكن للجميع. وهذا ما أبعد نسبة أيضا من مستثمري العقارات عن السوق، وبالتالي خروج أموالهم معهم. لذلك هناك أسباب عديدة لتراجع مكانة العقارات البريطانية التاريخية، إلا أن فوضى "بريكست" ألقت الضوء بصورة محكمة على أزمة العقار في هذا البلد. فمكاتب العقارات تعترف علنا، بأنها تعد أنفسها محظوظة إذا ما أتمت صفقة بيع أو صفقتين في شهر واحد، بينما كانت النسبة عند هذه المكاتب لا تقل عن عشر صفقات شهريا، وترتفع كثيرا في مناطق محددة من لندن.  
والأرقام المفجعة حقا هي تلك التي اتفقت عليها الجهات العقارية المختصة، بأن قيمة عقارات بريطانيا ككل تراجعت 35 مليار استرليني في ستة أشهر فقط! وهذه نسبة خطيرة بالفعل، بينما لا يزال التراجع متواصلا. وتبلغ القيمة الكلية لهذه العقارات حدود 8. 2 تريليون استرليني. لا شك أن عقارات بريطانيا كسبت كثيرا على مدى عقود، ومن هنا يرى البعض أن هذا التراجع ليس سوى تصحيح طبيعي. لكن السؤال هو، هل الأوضاع تجري بصورة طبيعية في المملكة المتحدة حاليا؟ بالطبع الأمر لا يحتاج إلى مختصين للإجابة بالنفي. فالفوضى السياسية باتت تهدد حتى إمدادات البلاد من الدواء والغذاء في حال خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. ولا أحد يعرف من يحكم الآن. هل الحكومة؟ أم البرلمان؟ أم كتل الضغط في هذا البرلمان سواء من جهة اليمين أو اليسار؟
وسط هذه التطورات الخطيرة، تتلقى لندن الضربة الأكبر في التراجع قياسا ببقية المناطق البريطانية. وهذه المدينة تعد مقصدا لا بد منه لرجال الأعمال والمستثمرين حتى الباحثين عن عقار لقضاء الإجازات أو ما شابه ذلك. فضلا عن أن لندن التي تعد أكبر مركز مالي عالمي، توفر العقارات لعشرات الآلاف من الموظفين في هذا القطاع. غير أن هذه النقطة على وجه الخصوص يلفها الغموض الآن، ولا سيما فيما يتعلق بالمركز المالي هذا في أعقاب "بريكست". في الأسابيع الأولى من العام الحالي انخفضت قيمة عقارات لندن بكل مستوياتها قرابة 4 في المائة، تضاف إلى التراجع المستمر الذي حدث في السنوات القليلة الماضية. والمتوقع أن يصل هذا التراجع إلى 5 في المائة مع نهاية العام الجاري. هذا إلّم تقع المصيبة وتخرج بريطانيا بلا اتفاق من أوروبا. 
تعِد المملكة المتحدة القطاع العقاري سندا اقتصاديا عالي المستوى، وهي الآن تواجه الحقيقة، بأن العصر الذهبي لهذه العقارات انتهى بالفعل، والمثير أن أحدا لا يتوقع عودته في المستقبل. فالذي حقق أرباحا من وراء هذه العقارات كان محظوظا جدا، بينما تفقد قيمتها بالتدريج حاليا. بعض المختصين يقولون، إن إيجار المساكن صار أفضل من امتلاكها، خصوصا تلك التي ترتبط بالتزامات خدمية ومصرفية وما شابه ذلك. إنها بالفعل بداية نهاية ازدهار قطاع كان الأشهر على صعيد العالم أجمع، والأكثر ربحية مقارنة بغيره في بقية الدول. قطاع صمد حتى في عز الأزمة الاقتصادية العالمية. 

إنشرها