توطين صناعة النفط بين المعرفة ونقلها «1»

|

"رؤية المملكة الطموحة لعام 2030" اهتمت بشكل كبير بالمحتوى المحلي وتوطين الصناعات في كثير من القطاعات ومنها بلا شك قطاع النفط والغاز الذي يعد عصب اقتصادها والثروة التي منَّ الله بها على هذه البلاد المباركة فكان سببا رئيسا بعد توفيقه في تطورها في جميع الأصعدة ونهضتها التي يشهد بها القاصي والداني. لا يسعني في هذا المقال التطرق لأهمية النفط الاستراتيجية واستخداماته المتعددة التي لا تعد ولا تحصى فقد خصصت لهذا الموضوع مقالات كثيرة وتفصيلية. 
لكن سأسلط الضوء في هذا المقال على بعض العقبات التي قد تواجه توطين صناعة النفط، وبما أن محور هذا المقال هو توطين الصناعة فلن أتطرق إلى توطين القطاع برمته الذي يشمل أيضا توطين المهن، وتوطين الخدمات. لمعرفة العقبات التي قد تواجه توطين هذه الصناعة المهمة أرى أن من الضروري تقسيمها وأعني هنا صناعة النفط التي تشمل صناعة المنبع وصناعة المصب والصناعة الوسيطة التي بينهما، وأرى أن من الضروري تقسيمها إلى صناعة تتطلب نقلا للمعرفة وصناعة مشاعة المعرفة. 
الصناعة التي تتطلب نقلا للمعرفة، هي تلك الصناعات المعقدة لبعض الأجهزة والمعدات النفطية خصوصا المستخدمة في التنقيب عن النفط أو حفر آباره أو ضبط إنتاجه وغيرها من المعدات والأجهزة الكثيرة المستخدمة في صناعة المنبع. هذه الصناعة كما ذكرت تتطلب نقلا للمعرفة من شركات عالمية رائدة في هذا المجال ولها باع طويل في هذه الصناعة، والعقبة الكبرى هنا التي تقف عائقا أمام الشركات الوطنية أو المستثمرين السعوديين ورواد الأعمال المهتمين بتوطين هذا النوع من الصناعة هي ارتباط هذه المعدات أو التقنيات ببراءات اختراع تملكها هذه الشركات الأجنبية وكانت السبب الأهم لتميزها في هذه الصناعة، فمن الطبيعي ألا تقبل هذه الشركات نقل المعرفة للشركات الوطنية السعودية حتى لا تنافسها ولا تزاحمها على حصتها السوقية مستقبلا أو أن تكون سببا في خروجها من السوق السعودية برمتها. 
قد نجد بعض الشركات الأجنبية أو الأفراد ممن لديهم براءات اختراع مميزة في هذا القطاع ولديهم رغبة عارمة في دخول السوق السعودية ولا يمانعون في وجود شريك سعودي معهم كمستثمر لكن وجودهم كشريك يعارض من وجهة نظري مبدأ التوطين من الأساس، وقد يكون شبه مستحيل الوصول إلى اتفاق بين الشريكين التقني الأجنبي والشريك الوطني على تنازل الأول عن براءة اختراعه أو على نقله المعرفة كاملة للطرف الثاني وأن تنفض الشراكة بعد عدد معين من الأعوام فتصبح الشركة وطنية 100 في المائة مهما كانت المغريات للشريك التقني الأجنبي ومهما كانت مهارة الشريك الوطني التفاوضية مميزة، فهم يعلمون يقينا ولا تثريب عليهم في ذلك أن تنازلهم عن سر صنعتهم ولو بعد أعوام طويلة هو قرار استراتيجي كارثي لا يمكن اتخاذه بأي حال من الأحول فهم يبحثون كغيرهم عن ديمومة في الأرباح خصوصا في سوق خصبة وديناميكية كالسوق السعودية. إذن يمكن القول إن نقل المعرفة كاملة من الشركات التقنية الأجنبية أو الأفراد لا يمكن تحقيقه إلا بوجود شراكات دائمة مع الشريك الوطني، فكيف يمكن توطين هذا النوع من الصناعة النفطية؟ نكمل في المقال المقبل بإذن الله.

إنشرها