استراتيجية نفطية سعودية .. واحترام عالمي

|

 مهما يكن من أمر، فإن أوضاع السوق النفطية العالمية ستكون تحت السيطرة دائما، خصوصا مع وجود الجانب السعودي، الذي يعمل منذ عقود على الحفاظ على هذا الاستقرار، بما يضمن إمدادات مستحقة للاقتصاد العالمي وأسعارا مقبولة للمنتجين والمستهلكين. المملكة قدمت ضمانات في كثير من المناسبات بهذا الخصوص، وهي قادرة بالطبع على أن تنفذ أي استراتيجية نفطية تخدم الاقتصاد العالمي، ولا تؤذي أي طرف في المعادلة. وكما هو معروف، فإن السعودية مستعدة لسد أي نقص في الإمدادات دون أن يتأثر حراك الإنتاج فيها. ومن هنا يمكن اعتبار الاتفاق الذي قادته لخفض الإنتاج قبل أكثر من ثلاث سنوات، محورا رئيسا على صعيد أي تحولات تحدث على الساحة العالمية.
لا شك أن الاضطرابات السياسية المتواصلة في فنزويلا، إضافة إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على هذا البلد، أثرت سلبا في إنتاجها النفطي. فبحسب منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" خسر إنتاج فنزويلا 500 ألف برميل يوميا. ولا توجد مؤشرات تدل على إمكانية عودة هذا الإنتاج إلى ما كان عليه، وذلك بسبب التفاقم المستمر للأزمة السياسية. دون أن ننسى بالطبع، أن واشنطن لا تزال مصرة على رحيل الرئيس الحالي مادورو، ما يطيل أمد الأزمة. المهم أن نصف مليون برميل خرجت من السوق، ولكن لما تتلق السوق العالمية ضربة قاصمة بفعل هذا التطور السلبي. ما حدث هو زيادة طبيعية لأسعار النفط، تفرضها مثل هذه التطورات.
وشهدنا سابقا "وحاليا" تراجع الإنتاج النفطي الإيراني، أيضا بسبب العقوبات المفروضة على النظام الإرهابي في طهران من قبل الولايات المتحدة. ولم يحدث أيضا شيء سلبي فظيع على صعيد الإمدادات. مع ضرورة الإشارة إلى أن السعودية أعلنت للعالم أنها ملتزمة بتوازن السوق النفطية، وأنها مستعدة للتدخل في الوقت المناسب. ومن هنا يمكن أن نفهم امتصاص السوق الآثار السلبية الناجمة عن تراجع الإنتاج في هذا البلد أو ذاك. وحتى في ظل التراجع المماثل في كل من الجزائر وليبيا، فإن السوق النفطية ظلت متوازنة كما يبدو، مع ارتفاع مقبول لأسعار النفط. لكن لا تزال هناك مخاوف على الساحة غير مبررة، وتبرز عادة من فرط حساسية هذه الجهة أو تلك لتراجع الإنتاج بشكل عام.
وصول برميل النفط إلى 80 دولارا ليس سعرا فادحا في مرحلة لاحقة، وفق كثير من الجهات المهتمة بالشأن النفطي. صحيح أن أغلبية الجهات تعد 70 دولارا سعرا منطقيا، لكن ارتفاعه عشرة دولارات أخرى وسط هذه التطورات الراهنة لا يمثل صدمة كبيرة. دون أن ننسى، أن المعارك التجارية التي لا تزال موجودة على الساحة تسهم هي الأخرى في اضطراب السوق النفطية. والعالم كله يتطلع اليوم إلى نتائج المفاوضات التي تجري حاليا بين الولايات المتحدة والصين لإنهاء هذه المعارك، والعمل من أجل ضمان نمو مقبول للاقتصاد العالمي. وهناك نقطة مهمة يمكن أن تلعب دورا إيجابيا على الصعيد النفطي، وهي تلك المتعلقة بارتفاع المخزونات النفطية في الولايات المتحدة. باختصار لن تكون هنا "مصيبة" نفطية على الساحة العالمية. يكفي التزام السعودية بالحفاظ على التوازن في الأوقات المناسبة، خصوصا أنها تمارس استراتيجية نفطية ينظر إليها العالم باحترام شديد.

إنشرها