التعليم العالي في المملكة والمؤشرات الدولية

|

بوجه عام، يحقق التعليم العالي في المملكة إنجازات كبيرة سواء من حيث التوسع الأفقي، أي الزيادة في عدد الجامعات وتنوع التخصصات أو التطور النوعي من حيث تحسن المخرجات كالخريجين، والبحوث، وبراءات الاختراع، وينعكس ذلك في المؤشرات الدولية المتنوعة أو ما نسمعه من بعض المشاركين في المعرض والمؤتمر الدولي للتعليم العالي الذي اختتم أعماله قبل أيام قليلة تحت شعار "تحول الجامعات في عصر التغيير"، وذلك بمشاركة شخصيات دولية مميزة من مختلف قارات العالم. لا بد من الإشادة والثناء على هذا المعرض والمؤتمر الذي يعد نافذة على العالم يستطيع الطالب والباحث والعالم السعودي الإطلال من خلالها على الجامعات والمؤسسات البحثية العريقة، ويتعرف على تخصصاتها، وشروط القبول بها، وأنشطتها البحثية، وإنجازاتها العلمية. فكثير من بذور الشراكات بين الجامعات المحلية والأجنبية، وبين الباحثين السعوديين والباحثين في هذه الجامعات تبدأ من هذا المؤتمر الرائع والمحفز للإبداع.  وبمناسبة انعقاد المعرض والمؤتمر الدولي للتعليم العالي، ستهتم مقالة اليوم بتصنيف مهم، ولكنه غير معروف هو "تصنيف أنظمة التعليم العالي الوطنية" Ranking of National Higher Education 2019. في هذا العام صدر التصنيف الثامن الذي ترعاه مجموعة 21 جامعة UNIVERSITAS21 في أستراليا. ويقتصر هذا التصنيف على 50 نظاما تعليميا عاليا من جميع القارات، ويعتمد على حساب 24 متغيرا على أساس أربعة معايير، هي: الموارد، والبيئة، والاتصالية "التشابكية"، والمخرجات، مع معايرة جميع قيم التصنيف standardization على أساس حجم سكان الدولة. وتبدأ عملية حساب التصنيف بإعطاء قيمة (100) لأفضل دولة في كل متغير من المتغيرات التي يعتمد عليها التصنيف، ثم تأخذ بقية الدول نسبة إلى أعلى دولة، وإلى جانب التصنيف العام، تحسب تصنيفات فرعية على أساس كل من المعايير الأربعة: الموارد Resources، البيئة Policy Environment، الاتصالية Connectivity، والمخرجات Output. 
لا شك أن وجود موارد كافية شرط ضروري لتحقيق أداء جيد لأي نظام تعليمي، ويقاس ذلك من خلال خمسة مقاييس مثل متوسط الإنفاق على الطالب، ونسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي وغيرها. ولكن على الرغم من أن الموارد ضرورية لأي نظام تعليمي فاعل، فإنها لا تكفي وحدها، فالحاجة إلى وجود بيئة محفزة لتبني سياسات تطويرية نوعية؛ لذلك فإن البيئة التي تعمل تحت مظلتها الجامعات تعد محددا أساسيا لمخرجات التعليم العالي، فكلما كانت الجامعات تتمتع باستقلالية مالية وأكاديمية، وتقييم أداء شفاف، أصبحت البيئة مشجعة للتنوع والتنافس بين المؤسسات التعليمية. وتزداد فاعلية نظام التعليم العالي في أي دولة بمدى وجود الاتصالية أو التشابكية، أي مدى وجود صلة وطيدة بالمجتمع المحلي من جهة، وارتباط وثيق على المستوى الدولي بالمؤسسات التعليمية الأجنبية من خلال شراكات أكاديمية وبحثية من جهة أخرى. ولا شك أن الاهتمام بهذه الركائز "الموارد والبيئة والتشابكية" يؤدي إلى مخرجات جيدة سواء بالنسبة للناتج البحثي وتأثيره، وكذلك الخريجين والباحثين، وجودة الجامعات الوطنية ودرجة جاذبية الخريجين وسرعة توظيفهم في المؤسسات العامة والخاصة. ويقاس هذا المعيار بعدد من المؤشرات مثل حجم الناتج البحثي وعدد البحوث لكل ألف من السكان، ومتوسط الاستشهادات، وعدد الباحثين لكل مليون نسمة، ومدى تحقيق الجامعات الوطنية لصفة "الجامعة العالمية" World Class إلى جانب نسبة السكان الحاصلين على الشهادة الجامعية، وكذلك نسبة بطالة الجامعيين مقارنة بغيرهم.  عموما، فإن النظام التعليمي الجيد هو الذي يشتمل على طيف متنوع من المؤسسات التعليمية التي تلبي الرغبات الشخصية وتحقق الاحتياجات والأولويات الوطنية، ما يشجع على ارتفاع معدلات الالتحاق وجودة المخرجات. وعلى أية حال، فقد جاءت على رأس القائمة في هذا التصنيف الولايات المتحدة، ثم سويسرا، فالمملكة المتحدة، ثم السويد، فالدنمارك، وتلتها كندا. أما المملكة فقد حققت مرتبة ممتازة بحصولها على المرتبة (22) من بين أفضل 50 نظاما تعليميا عاليا في العالم، وهي بذلك الدولة العربية الوحيدة التي دخلت في هذا التصنيف، مع تفاوت في الدرجات التي حصلت عليها بناء على المعايير الأربعة المذكورة آنفا. ففي معيار الموارد حققت المملكة المرتبة (7)، وفي البيئة المحفزة للسياسات حصلت المملكة على المرتبة (45)، في حين احتلت المرتبة (28) في معيار الاتصالية والتشابكية، والمرتبة (32) في معيار المخرجات. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة تبوأت المركز الأول في الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي GDP، والمرتبة الأولى في الشراكات البحثية مع باحثين دوليين، ولكن احتلت مرتبة متأخرة في مجال البحوث المشتركة مع قطاع الصناعة. 
ولم يتبق إلا القول بضرورة تعزيز الشراكة بين الجامعات وقطاع الصناعة، وإطلاق جائزة الجامعات للتميز العلمي والابتكار التي سبق الإعلان عنها لتكون ضمن فعاليات المعرض والمؤتمر الدولي للتعليم العالي، إلى جانب النظر في التحول لنظام الساعات من أجل زيادة الفاعلية والكفاءة للجامعات، واعتماد نظام الجامعات بصيغة محفزة للتنوع والاستدامة والإبداع في أداء الجامعات.

إنشرها