التأمين الصحي .. خطوات إيجابية على طريق التغطية الشاملة

|

إن من الإشكاليات الكبيرة التي كانت تقلق حياة الناس في المملكة، قضية غياب التأمين الصحي عن الأفراد والعائلات، ولقد كان القلق يساور جميع الناس من غياب الرعاية الصحية الكاملة، أو على الأقل ضعف الرعاية الصحية لجميع الناس، وبالذات أولئك الذين أحيلوا إلى التقاعد وبلغوا من العمر عتيا، فهؤلاء يواجهون مخالب الزمن واعتلال الصحة والحاجة إلى العلاج من سلسلة أمراض باتت تسمى أمراض آخر العمر.
من ناحيتها، استشعرت حكومة خادم الحرمين الشريفين خطورة هذه الإشكالية، فشرعت الأنظمة وأصدرت اللوائح التي تلزم القطاع الخاص بالتأمين الصحي على العاملين فيه من غير السعوديين كمرحلة أولى، ثم صدرت اللوائح بإلزامية التأمين على السعوديين العاملين في القطاع الخاص مثلهم مثل المقيمين اعتبارا من الأول من كانون الثاني (يناير) 2019.
ونعرف جميعا أن نظام العمل والعمال في القطاع الخاص يشترط التأمين الصحي شرطا إجباريا لموظفي القطاع الخاص وثلاثة أفراد من العائلة، ويتوافر الآن في سوق التأمين السعودية نحو 27 شركة تأمين مؤهلة للتوقيع على بوليصات التأمين.
وأعلن مجلس الضمان الصحي التعاوني أخيرا اكتمال مراحل إجراءات الربط الإلكتروني لجميع السعوديين العاملين في القطاع الخاص وأفراد أسرهم بالتعاون مع مركز المعلومات الوطني في وزارة الداخلية والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
ولا شك أن هذه الخطوة تبشر بأن التأمين الصحي في المملكة يستكمل حلقاته ويؤمن على جميع العاملين في القطاعين العام والخاص سعوديين ومقيمين. 
ولذلك فإن المملكة يمكنها أن تفتخر الآن، لأنها نجحت في استكمال مظلة التأمين الصحي في القطاعين الخاص والعام سواء بالنسبة للمقيمين أو السعوديين.
أما بالنسبة لباقي السعوديين، فإن المستشفيات الحكومية ما زالت تقوم بمهمة الرعاية الصحية مجانا ودون مقابل، ولكن هناك بعض الإشكاليات التي تواجه المواطن السعودي، فالمستشفيات الحكومية لديها ضغط كبير في تقديم الخدمات الطبية ما قد يجعل مقابلة الطبيب المختص أمرا صعبا أو يأخذ وقتا طويلا، كما أن المستشفيات الحكومية أقل مرونة في أوقات الدوام والمواعيد، حيث إن أغلب عياداتها صباحية متزامنة مع عمل الموظف، ولذلك فإن حضور الموظف في الموعد الذي يحدده الطبيب قد يتطلب منه الغياب عن عمله لمدة يوم كامل، وربما أكثر! 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الحكومة تقترب في هذه الأيام من الوصول إلى قرارات نهائية في خصخصة المستشفيات الحكومية وتحويلها إلى شركات، وفي إطار خصخصة المستشفيات الحكومية، فإن التأمين الصحي للسعوديين سيشهد تغييرا مهما في اتجاه توفير وتجويد الخدمات الصحية لجميع السعوديين سواء كانوا عاملين في القطاع الخاص أو في القطاع العام أو السعوديين من خارج القطاعين.
ويجب أن نسلم بأن معضلة التأمين الصحي ليست مشكلة في محيطنا السعودي أو العربي فحسب، بل هي معضلة كل دول العالم، بما في ذلك الدول الكبرى التي ما زالت تحاول الوصول إلى صيغ توافقية للتأمين الصحي على جميع المواطنين والمقيمين.
ولكن ما نود أن نشير إليه هو أن المراحل التي قطعتها الحكومة لتطبيق التأمين الصحي الإلزامي تعد سلسلة من الإنجازات الموفقة، ونشعر بأن الدولة تقترب كثيرا من الوصول إلى المستوى المثالي لتعميم شبكة التأمين الصحي على كل المواطنين والمقيمين.
وفي هذا الصدد، أشار عبدالعزيز البوق رئيس لجنة التأمين الصحي والرئيس التنفيذي لشركة التعاونية للتأمين بتصريحات صحافية مهمة تتعلق بآخر مستجدات التأمين الصحي، وقال إن قطاع التأمين الصحي سيشهد خلال السنوات العشر المقبلة نموا بمعدل يزيد على 70 في المائة على ما هو عليه في عام 2018 دون إضافة الزوار والمعتمرين الذين من المتوقع أن يشكلوا شريحة مهمة في قطاع التأمين الصحي في المرحلة المقبلة، لافتا إلى دور قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في إمكانية توفير أكثر من مليون فرصة عمل خلال السنوات القليلة المقبلة.
ووصف البوق تجربة التأمين الصحي في المملكة خلال الفترة الماضية بأنها ناجحة بكل المعايير، إذ بلغ حجم قطاع التأمين الصحي 20 مليار ريال في عام 2018، وأصبح يشكل 55 في المائة من إجمالي حجم سوق التأمين، كذلك لفت البوق إلى أن المشمولين بالرعاية الصحية تحت مظلة التأمين الصحي سيصلون بنهاية عام 2019 إلى 12 مليون فرد، وهذا يؤكد أهمية التأمين الصحي في دعم خطط الرعاية الصحية والتوسع في استثمارات القطاع الصحي الخاص بعد أن أصبح حملة بطاقات التأمين يشكلون نحو 85 في المائة من إجمالي المراجعين في المستشفيات الخاصة، وأكد البوق أن التطورات التقنية والربط الإلكتروني بين شركات التأمين ومقدمي الخدمة الطبية نجحا في تنفيذ أكثر من 28 مليون عملية نقل إلكتروني في عام 2018.
إن قطاع التأمين الصحي حقق نموا واضحا من عام 2006 حتى عام 2018، إذ شملت التغطية السوقية لنشاط التأمين الصحي 11 مليون مستفيد، كذلك من الفوائد التي ستجنيها الدولة من خلال التأمين الصحي هي ربط التأمين الإلزامي للمقيمين بأنظمة الجوازات، بما يعني أن التأمين الصحي مكن الدولة من وضع كل العاملين في الدولة تحت الرقابة الحكومية الشاملة.
الخلاصة أن التأمين الصحي في المملكة الذي كان حلما عند الأغلبية الساحقة من الناس بات حقيقة يستظل بظلها الجميع، وأنه يتجه إلى مستويات عالية من الأداء المحكم والمحقق لكل الأهداف التي شرع التأمين من أجلها.
بارك الله في دولة تسعى دوما من أجل سعادة ورخاء شعبها المخلص الوفي.

إنشرها